وإذا جاز لنا تقسيم العُرف إلى عامّى وآخر خاصّى ، فإنّ نسبة كبيرة من مصنّفات علماء المسلمين قد سلك فيها أصحابها العرف الخاصّى في عرْض أفكارهم وأخذ النتائج عنها ، وهذا السير المعرفى غير الممنهج لا يُعفيهم من مسؤوليّة إعادة النظر في ما كتبوه ، فإنّ العُرف الخاصّى لا يُصحّح العمل به ، لعدم ارتكازه على ضوابط صحيحة ، ولذا نجد في أبحاث علم أصول الفقه مثلًا مجموعة غير قليلة من المسائل الفلسفيّة والكلاميّة والمنطقيّة والرجاليّة واللغويّة ، وهذا الاضطراب المنهجي نتج عنه مشكلات معرفيّة ليست قليلة ، كما وقفنا على ذلك في مباحث علم الأصول .
ولا ريب أنّ هذه الفوضى المعرفيّة
والانسياق وراء عُرف غير منهجىّ ، لم تخلُ منه العمليّة التفسيريّة في جميع مراحلها التاريخيّة ، سواء كان ذلك في مرحلة التأسيس النظري لها أو في مرحلة رصد وضبط مسائلها أو في مراحلها المتأخّرة التي أبرزت لنا عيّنات محدودة جدّاً ، حاولت جادّة أن تُمنهج أبحاثها وتسلك طريقة مُثلى في تقصّى الحقائق القرآنيّة ، ولعلّها قد نجحت بنسب مختلفة ، ولذا فهي وإن كانت محاولات ناجحة وجادّة إلّا أنّها لا زالت فتيّة في عالم التأسيس النظري للعمليّة التفسيريّة .
ولعلّنا سوف نقف بشئ من التفصيل في تنضيج هذا الهدف المعرفى الذي حاولنا الإشارة له وهو ضرورة المنهج وأهمّيته في أبحاثنا اللاحقة ؛ لما يترتّب عليه من نتائج معرفيّة هي غاية في الأهمّية ، أهمّها الوصول إلى مقاصد العلم المبحوث فيه بصورة سليمة ووجيزة .
المنهج التفسيري — صفحة 12
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٢