وبالجملة : فالمحصّل من الآيات الشريفة أنّ وراء ما نقرأه ونعقله من القرآن أمراً هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد والمتمثِّل من المثال هو الذي يسمّيه تعالى بالكتاب الحكيم وهو الذي تعتمد عليه معارف القرآن المنزّل ومضامينه ، وليس من سنخ الألفاظ المفرّقة المقطّعة ولا المعاني المدلول عليها بها .
وهذا بعينه هو التأويل المذكور في الآيات المشتملة عليه لانطباق أوصافه ونعوته عليه ، وبذلك يظهر حقيقة معنى التأويل .
إذا عرفت ذلك نقول : إنّ القرآن لم يستعمل لفظ التأويل في الموارد التي استعملها إلّا في المعنى الذي ذكرناه .
فمثلًا في الموارد الثلاثة التي في قصّة موسى عليه السلام والعبد الصالح قال تعالى : حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ( الكهف : 71 ) ، وقال : حتى إذا لقيا غلما فقتله ( الكهف : 74 ) ، وقال : فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ( الكهف : 77 ) .
فالذي تلقّاه موسى عليه السلام من صور هذه القضايا وعناوينها قوله : أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا ( الكهف : 71 ) ، وقوله : أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا ( الكهف : 74 ) ، وقوله : لو شئت لتخذت عليه أجرا ( الكهف : 77 ) .
والذي نبّأ به الخضر من التأويل ما جاء في قوله تعالى : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً * وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا
المنهج التفسيري — صفحة 113
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١١٣