ما بيّنتها ، بحيث لو فرض تغيّر شئ من تلك الحقائق انقلب ما في الآيات من المضامين .
وإذا أجدت التدبّر وجدت أنّ هذا ينطبق تمام الانطباق على قوله تعالى : والكتب المبين * إنا جعلنه قرأنا عربيا لعلكم تعقلون *
وإنه في أم الكتب لدينا لعلى حكيم ( الزخرف : 4 2 ) فإنّه يدلّ على أنّ القرآن النازل كان عند الله أمراً أعلى وأحكم من أن تناله العقول أو يعرضه التقطّع والتفصّل ، لكنّه تعالى عنايةً بعباده جعله كتاباً مقروّاً وألبسه لباس العربيّة لعلّهم يعقلون ما لا سبيل لهم إلى تعقّله ومعرفته ما دام في أُمّ الكتاب ، وأمّ الكتاب هذا هو المدلول عليه بقوله : ى محوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتب ( الرعد : 39 ) ، وبقوله : بل هو قرءان مجيد * في لوح محفوظ ( البروج : 22 21 ) .
وهو المراد من الإحكام في قوله تعالى : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( هود : 1 ) فالإحكام كونه من عند الله بحيث لا ثلمة فيه ولا فصل ، والتفصيل هو جعله فصلًا فصلًا وآية آية وتنزيله على النبىّ صلّى الله عليه وآله ، وأنّ هذا التفصيل في المرتبة الثانية يستند إلى الإحكام الذي في المرتبة الأُولى . قال تعالى : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ( الإسراء : 106 ) وليس
المراد بذلك أنّه في مقام الإحكام كان الكتاب مجموع الآيات مرتّب السور على الحال الذي هو عليه الآن عندنا كتاباً مؤلّفاً مجموعاً من الدفّتين مثلًا ثمّ فرّق وأُنزل على النبىّ نجوماً ليقرأه على الناس على مكث كما يفرّقه المعلّم منّا قطعات ثمّ يعلّمه متعلِّمه كلّ يوم قطعة على حسب استعداد ذهنه .
المنهج التفسيري — صفحة 112
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١١٢