والّذي تحرّر لي من النّظر في هذه المسألة هو : أنّا نعلم أنّ اللّه تعالى أنزل هذا القرآن بلاغا لكلّ النّاس ، كما قال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً 174
[ النّساء : 174 ] ، فكلّ بني آدم مخاطبون به : مسلمهم وكافرهم ، وهو يبلّغ تلاوة ، كما قال تعالى :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
[ التّوبة : 6 ] ، ويبلّغ كتابة ، كما وقع في كتاب النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى هرقل ، فالتّلاوة والكتابة جميعا وسيلتان للتّبليغ ، ولا يذهب أحد إلى منع تمكين الكافر من استماع القرآن ، بل الدّعاة إلى اللّه تعالى مأمورون بإسماع القرآن ، فإذا صحّ هذا ساغ أن يبلّغوه كتابة كما يبلّغونه تلاوة ، حيث تساويا جميعا بهذا الاعتبار .
ثمّ نحن اليوم في زمان تعيّن الكتاب فيه كطريق من أهمّ طرق التّبليغ ، كما يحصل بطريق الأشرطة الصّوتيّة المسجّلة ، بل الواقع يشهد لاعتبار تقديم الكتاب في التّبليغ ، فإذا كان الكافر مقصودا برسالة الإسلام فلا ينبغي أن يحال بينه وبين الأسباب الّتي تمكّنه من الوصول إليها ، والّتي تعدّ المصاحف من جملتها .
لكنّ الإذن بذلك مشروط بشرطين :
الأوّل : أن يغلب على الظّنّ عدم تعرّض الكافر للمصحف بالإهانة .
والثّاني : أن يمكّن من المصحف على سبيل الإعارة المؤقّتة بمدّة تكفيه للاطّلاع عليه ، لا التّمليك بالإهداء وشبهه .
والعلّة في عدم التّمليك : أنّ الرّخصة إنّما وقعت لأجل مصلحة