وأراد ابن عبّاس أنّ هذه الآية الّتي استدلّ بها مروان لما قال إنّما هي متّصلة بالآية الّتي قبلها ، وهي قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ
فهؤلاء أهل الكتاب ، ووجه الذّمّ لهم أنّهم كتموا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ سألهم وأجابوه بغيره معجبين بما صنعوا ، مظهرين للنّبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنّهم أعطوه ما أراد ، يرجون بذلك ثناءه عليهم ومدحه لهم .
ولم يرد ابن عبّاس أن يجعل الآية مقصورة عليهم ، فإنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب ، وإنّما بيّن لمروان غلطه باستعماله عموم اللّفظ دون مراعاة سبب النّزول في فهم ذلك العموم ، فالآية عامّة فيمن صنع صنيع أولئك اليهود ، واللّه إنّما ذكر نبأهم للاعتبار ، لكن ذلك الاعتبار يجب أن يراعى فيه مورد الآية ، اتّقاء لتنزيل النصّ في غير محلّه .
المبحث السادس : وجوب التحقق من صحة السبب
لما تقدّم بيانه من أثر معرفة أسباب نزول القرآن على فهمه على أفضل وجه وأتمّه ، فإنّه يجب التّحرّي في ثبوت ذلك ، واعلم أنّ الغلط يرد في هذا من جهة تحديث الإنسان بكلّ ما يبلغه ، وكفى بالمرء إثما أن يحدّث بكلّ ما سمع دون أن يتحقّق من صحّة ذلك .
مثل ما حدّث به يوسف بن ماهك ، قال : كان مروان على