فتدلّك أسباب النّزول على أن القرآن لم ينزل لتلتمس بتلاوته البركة وإن كان فيه أعظم البركات ، وإنّما نزل قانونا للحياة ، تضبط به المعاملات من بيوع ونكاح وطلاق وأقضية وميراث ، كما تضبط به العبادات من طهارة وصلاة وصيام ، وغير ذلك ، ليس للفرد خاصّة ، بل للمجتمع والدّولة كذلك .
معرفة الوجه الّذي يكون عليه معنى الآية .
وهذا يعني أنّ معرفة السّبب أصل في تفسير الآية ، ولذلك يهتدي به المفسّرون لإدراك معاني القرآن .
وتأمّل ذلك فيما حدّث به حميد بن عبد الرّحمن بن عوف : أنّ مروان ( هو ابن الحكم ) قال : اذهب يا رافع ( لبوّابه ) إلى ابن عبّاس فقل : لئن كان كلّ امرئ منّا فرح بما أتى وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّبا لنعذّبنّ أجمعون ، فقال ابن عبّاس : ما لكم ولهذه الآية ؟ إنّما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب ، ثمّ تلا ابن عبّاس :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ
هذه الآية [ آل عمران : 187 ] ، وتلا ابن عبّاس :
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا
[ آل عمران : 188 ] ، وقال ابن عبّاس :
سألهم النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن شيء فكتموه إيّاه وأخبروه بغيره ، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إيّاه ما سألهم عنه « 1 » .
هامش
( 1 ) حديث صحيح . متّفق عليه : أخرجه البخاريّ ( رقم : 4292 ) ومسلم ( رقم :
2778 ) .