شغل بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، أو بالجهاد في سبيل اللّه ، أو طلب العلم ، أو كسب الرّزق ، ممّا لم يجد معه سعة من الوقت وفضلة لحفظ القرآن أو بعضه ممّا يزيد على الواجب منه ، فينبغي أن يقدّم ذلك الأولى على الحفظ .
وأولئك أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانوا أعلم بمراتب الثّواب ، فمع شدّة تمسّكهم بالكتاب ، إلّا أن حفظ القرآن كان في طائفة قليلة منهم « 1 » .
قال خالد بن الوليد ، رضي اللّه عنه : « لقد شغلني الجهاد في سبيل اللّه عن كثير من قراءة القرآن » « 2 » .
وكذلك من حفظ شيئا منه ، أو حفظه ، فذهب عليه شيء من حفظه لانشغاله بالأولى ، فلا حرج عليه ، ولو وقع فوات بعض حفظه بتفريط منه ، فهذا مكروه قبيح ، عليه أن يجتهد في مجانبته ؛ لما تقدّم بيانه من الحثّ النّبويّ على تعاهده ومراجعته ، وإن كنّا لم نجد في النّصوص الثّابتة ما نؤثّمه به .
هامش
( 1 ) عن محمّد بن سيرين ، قال : « مات أبو بكر ولم يجمع القرآن » . أخرجه ابن سعد ( 3 / 211 ) بإسناد صحيح إلى ابن سيرين ، لكنّه لم يدرك أبا بكر .
وأخرج كذلك ( 3 / 294 ) بنفس الإسناد إلى ابن سيرين ، قال : « قتل عمر ولم يجمع القرآن » . وهذا كالّذي قبله .
والمعنى فيه أنّهما رضي اللّه عنهما لم يحفظا القرآن كلّه إلى أن فارقا الدّنيا .
( 2 ) أثر صحيح . أخرجه أبو عبيد في « فضائل القرآن » ( ص : 189 ) قال : حدّثنا ابن أبي زائدة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، قال : قال خالد ، به .
قلت : وهذا إسناد صحيح ، وابن أبي زائدة هو يحيى بن زكريّا .