والنّزاع بينهم أشبه أن يكون لفظيّا ، وكأنّ حقيقة قول المانعين ترجع إلى ما تذرّع به أهل البدع باستعمال المجاز في تأويل صفات الباري تعالى ، والتّحقيق أنّ فساد قول أهل البدع لا يكون بإبطال القول بالمجاز ؛ لأنّ حمل صفات اللّه عز وجلّ أو شيء منها على المجاز لا يخلو من تفسير الغيب بالشّهادة ، وهو ممنوع .
فالمجاز أسلوب من أساليب العربيّة ، نعم هو مبتكر في تسميته كسائر مصطلحات فنون العربيّة ، ولكنّه جزء من هذه اللّغة .
وظهور الكلام فيه قديم ، حتّى نسب أبو الخطّاب وابن عقيل القول به إلى الإمام أحمد بن حنبل « 1 » .
والأصل أن لا يصار إليه إلّا عند تعذّر حمل اللّفظ على حقيقته .
ومن علامة المجاز : أنّه لا يؤكّد بالمصدر ولا بالتّكرار ، تقول :
( أراد الحائط أن يسقط ) ، فإرادته مجاز ، بدليل أنّه لا يصحّ أن يقال :
( أراد الحائط أن يسقط إرادة شديدة ) ، وتقول : ( قالت الشّجرة فمالت ) ، ولا تقول : ( قالت الشّجرة فمالت قولا شديدا ) .
فالتّكليم في قوله تعالى :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
[ النّساء : 164 ] حقيقة ؛ لأنّه أكّده بالمصدر ، وفي قوله :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 40
[ النّحل : 40 ] ، أكّد القول بالتّكرار ، كما أكّد المعنى بإنّما ، فانتفى المجاز « 2 » .
هامش
( 1 ) التّمهيد ، لأبي الخطّاب ( 1 / 80 ) ، الواضح ، لابن عقيل ( 2 / 386 ) .
( 2 ) تأويل مشكل القرآن ، لابن قتيبة ( ص : 111 ) ، وذكر ابن عقيل في « الواضح » ( 2 / 395 ) كذلك علامات أخرى تميّزه عن الحقيقة .