وقد حدّث محمّد بن سيرين بهذا ، ثمّ قال : فلست بواحد من هذين ، وأرجو أن لا أكون الثّالث « 1 » .
المسألة الرّابعة : مع ضرورة معرفة النّاسخ والمنسوخ للفقيه ، إلّا أنّه لا يظنّ كثرة وجود ذلك في أدلّة التّشريع « 2 » .
وقد حرّرت في جمعه كتب ، من أحسنها كتاب الحافظ أبي الفرج ابن الجوزيّ المسمّى ( نواسخ القرآن ) ، فقد أتى فيه على ما قيل هو منسوخ ، وشرحه وبيّنه ، وميّز ما ثبت فيه النّسخ منه وهو قليل جدّا ، وأظهر فساد دعوى النّسخ في أكثر ذلك .
وكانت طائفة من المفسّرين قد سلكت مسلكا في غاية الفساد في هذا الباب ، فصاروا إلى ادّعاء النّسخ في آيات كثيرة تجاوزت عند بعضهم المائتين ، أكثرها ممّا تسلّطوا عليه بسيف النّسخ ما زعموا نسخه بآية السّيف ، وهو جرأة منهم مذمومة .
فأتوا على كلّ آية فيها الأمر أو معناه بالإعراض عن المشركين والجاهلين والصّبر والعفو فقالوا : هذه منسوخة بآية السّيف ، يعنون آية الأمر بالقتال للمشركين أو أهل الكتاب ، وذلك قوله تعالى :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
الآية [ التّوبة : 5 ] ، أو قوله :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
الآية [ التّوبة : 29 ] .
هامش
( 1 ) أثر حسن . أخرجه الدّارميّ في « مسنده » ( رقم : 176 ) وابن الجوزيّ في « نواسخ القرآن » ( ص : 108 - 109 ) من طريق أبي أسامة حمّاد بن أسامة ، عن هشام بن حسّان ، عن محمّد بن سيرين ، عن أبي عبيدة بن حذيفة ، عن حذيفة ، به .
قلت : وإسناده حسن .
( 2 ) انظر : « الموافقات » للشّاطبي ( 3 / 105 ) .