وتوسّعوا حتّى ادّعوا النّسخ على الأخبار الّتي لا ينسخ مثلها ، مثل قول بعضهم : قوله تعالى :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
[ البقرة : 3 ] منسوخ بفرض الزّكاة . وهذا من أفسد شيء يكون ، فهذه صفة مدح ذكرها اللّه للمؤمنين وأخبر بها عنهم ، وهم ينفقون قبل فرض الزّكاة وبعد فرضها ، والزّكاة المفروضة من ذلك وليست ضدّه ليقال : هاهنا نسخ .
ومن تلك الكتب الّتي هي أجدر بالإتلاف والإزالة منها بالتّداول والنّشر : كتاب « النّاسخ والمنسوخ » لمحمّد بن حزم ، ومثله لهبة اللّه بن سلامة ، وكتاب مرعيّ الكرميّ ، فهذه وشبهها كتب بالخطإ والقول على اللّه بغير علم ألصق منها بالعلم والهدى .
وبمثلها اغترّت طائفة من المتأخّرين فاستعظموا ما ذكر هؤلاء لما رأوا فيه من إبطال المحكمات ، فأنكروا النّسخ أصلا بقصد حسن ، هو الذّبّ عن القرآن العظيم ، كما تسلّط بصنيع هؤلاء المستشرقون الحاقدون على الإسلام ، فطعنوا على القرآن بذلك .
فكن على حذر من التّقليد في هذا الباب دون تحقيق ، ولاحظ انطباق شروط النّسخ قبل القول به توق بذلك الزّلل فيه .
المسألة الخامسة : الأمّة متعبّدة بجميع نصوص الكتاب والسّنّة الثّابتة ، إلّا ما ثبت نسخه ، ولا يجوز التّوقّف عن العمل بنصّ خوفا أن يكون منسوخا ؛ فإنّ الأصل فرض العمل بجميع ما أنزل اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم :
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
[ الأعراف : 3 ] ، وهذا يقين لا يحلّ تركه إلّا بيقين مثله .