والدّليل لأصحاب هذا المذهب ليس بخارج عن نفس الآيات الّتي دلّت على ثبوت النّسخ في كتاب اللّه ، وقد تبيّن فيها الدّلالة على صحّة النّسخ بمطلق الوحي لمطلق الوحي ، والسّنّة وحي كالقرآن « 1 » .
وممّا تعلّق به الشّافعيّ قوله تعالى :
قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي
فقال : « فيه بيان ما وصفت من أنّه لا ينسخ كتاب اللّه إلّا كتابه ، كما كان المبتدئ لفرضه فهو المزيل المثبت لما شاء منه ، جلّ ثناؤه ، ولا يكون ذلك لأحد من خلقه » « 2 » .
وهذا استدلال صحيح لو كانت السّنّة من تلقاء نفس النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فإنّها لا تكون ناسخة لحكم ثبت تشريعه بالكتاب ، أمّا اعتقاد كونها وحيا أوحاه اللّه لنبيّه صلى اللّه عليه وسلم مثل القرآن ، فقد ساوته في معناه وإن غايرته في لفظه ، وسبق أن بيّنت وجه ذلك « 3 » .
وظنّ بعض العلماء أنّ مذهب الشّافعيّ ومن وافقه إنّما هو لأجل
هامش
( 1 ) وانظر : « الواضح في أصول الفقه » لأبي الوفاء ابن عقيل ( 4 / 260 - 265 ) .
( 2 ) الرّسالة ( ص : 107 ) .
( 3 ) انظر ما تقدّم ( ص : 205 - 207 ) .
وقد وضع بعض الحمقى في هذه المسألة حديثا : فأخرج ابن عديّ في « الكامل » ( 2 / 443 ) والدّارقطنيّ ( 4 / 145 ) وابن الجوزيّ في « العلل المتناهية » ( رقم : 190 ) ونصر المقدسيّ في « تحريم نكاح المتعة » ( رقم : 33 ) والحازميّ في « الاعتبار » ( ص : 58 ) من طريق محمّد بن داود القنطريّ ، حدّثنا أبو عبّاد جبرون بن واقد الإفريقيّ ، حدّثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزّبير ، عن جابر ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كلامي لا ينسخ كلام اللّه ، وكلام اللّه لا ينسخ كلامي ، وكلام اللّه ينسخ بعضه بعضا » .
قال ابن عديّ : « منكر » ووافقه الحازميّ ، وقال الذّهبيّ في « الميزان » ( 1 / 388 ) :
« موضوع » ، وقال في جبرون : « متّهم ، فإنّه روى بقلّة حياء . . . » فذكر هذا الحديث .