والرّابع : نسخ سنّة بقرآن :
وجمهور أهل العلم على صحّة نسخ حكم ثبت بالسّنّة بآية من كتاب اللّه ، وأبى ذلك الشّافعيّ ، مستدلّا بكون السّنّة مبيّنة للكتاب ، فكيف ينسخ المبيّن ؟ والشّافعيّ لا يخالف أنّ السّنّة أثبتت أحكاما وشرائع ليست في كتاب اللّه ، فإذا صحّ هذا لم يمتنع أن تأتي بحكم فيأتي القرآن بنسخه .
ثمّ إنّ صحّة نسخ الآية بالسّنّة تدلّ بطريق الأولى على صحّة نسخ السّنّة بالآية « 1 » .
ومثال السّنّة المنسوخة : فرض استقبال بيت المقدس في الصّلاة أوّل الأمر ، وذلك ما دلّ على إثباته قوله تعالى :
وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ
[ البقرة : 143 ] .
والنّاسخ له قوله تعالى :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
[ البقرة : 144 ] .
وبيانه في حديث عبد اللّه بن عبّاس ، رضي اللّه عنهما ، قال :
كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلّي وهو بمكّة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه ، وبعد ما هاجر إلى المدينة ستّة عشر شهرا ، ثمّ صرف إلى الكعبة « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر بحث هذه المسألة في : « الرّسالة » للشّافعيّ ( ص : 108 - 111 ، 222 ) ، « الواضح » لابن عقيل ( 4 / 298 ) ، « المغني » للخبّازيّ ( ص : 255 ، 256 ) ، « التّلخيص » للجوينيّ ( 2 / 521 ) ، « شرح المنار » لابن الملك ( 2 / 717 ) ، « روضة النّاظر » لابن قدامة ( 1 / 257 ) ، « إحكام الفصول » للباجيّ ( ص : 356 ) ، « الإحكام » للآمديّ ( 3 / 150 ) ، « المسوّدة » لآل تيميّة ( ص : 185 ) .
( 2 ) حديث صحيح . أخرجه أحمد ( 5 / 136 رقم : 2991 ) وابن سعد في « الطّبقات » ( 1 / 243 ) -