اختلفوا في ذلك ، والصّواب : لا ؛ لأنّ النّسخ إنّما يتّصل بالأحكام العمليّة ، والعمل بالظّنّ الرّاجح صحيح معتبر .
وقد جاءت السّنّة الصّحيحة المشهورة بقبول خبر الواحد العدل في إثبات النّسخ ، وذلك في حديث عبد اللّه بن عمر بأصحّ إسناد إليه ، قال :
بينا النّاس بقباء في صلاة الصّبح ، إذ جاءهم آت ( وفي رواية :
رجل ) ، فقال : إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد أنزل عليه اللّيلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشّام ، فاستداروا إلى الكعبة « 1 » .
وبهذا الشّرط يسقط الاعتداد بالحديث الضّعيف في النّسخ .
الشّرط الثّالث : أن يكونا حكمين شرعيّين .
والمقصود أن يكون الحكم ثابتا بخطاب الشّرع ، لا بدليل العقل ، مثل ما يثبت بطريق ( الاستصحاب ) كالإباحة الأصليّة ، والبراءة الأصليّة .
فقد ثبت في العقول أنّ ما خلقه اللّه في الأرض فهو مباح للإنسان حتّى يرد خطاب الشّرع بنقله عن تلك الإباحة ، كما ثبت في العقول أنّ الذّمم بريئة حتّى يرد خطاب الشّرع بإيجاب الواجبات .
فتدرّج الشّارع في تحريم الخمر بتضييق الإباحة فيها ، ثمّ بنقل حكمها من بعد من الإباحة إلى التّحريم ، ليس نسخا ؛ لأنّ الإباحة لم يحتج إلى معرفتها بدليل الشّرع ، إنّما عرفت بعدم الخطاب « 2 » .
هامش
( 1 ) متّفق عليه : أخرجه البخاريّ ( رقم : 395 ومواضع أخرى ) ومسلم ( رقم : 526 ) .
( 2 ) انظر ما تقدّم في هذه المقدّمة ( ص : 201 - 203 ) .