فكأنّه يعني قوله تعالى :
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى 5
وهو جبريل عليه السّلام .
أمّا معنى قوله :
أَوْ نُنْسِها
فهو من الإنساء ، وهو رفع اللّه عزّ وجلّ لها من الصّدور ، كما قال اللّه سبحانه لنبيّه صلى اللّه عليه وسلم :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
[ الأعلى : 6 - 7 ] ، وقد ثبت أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان قد قرأ قرآنا ثمّ أنسيه ، وأقرأ أصحابه قرآنا فأزاله اللّه من صدورهم بقدرته .
ومن الدّليل على صحّة ذلك ما حدّث به أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن رهط من الأنصار من أصحاب النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
أنّه قام رجل منهم في جوف اللّيل يريد أن يفتتح سورة قد كان وعاها ، فلم يقدر منها على شيء إلّا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
، فأتى باب النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم حين أصبح ، يسأل النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك ، ثمّ جاء آخر ، وآخر ، حتّى اجتمعوا ، فسأل بعضهم بعضا : ما جمعهم ؟ فأخبر بعضهم بعضا بشأن تلك السّورة ، ثمّ أذن لهم النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فأخبروه خبرهم وسألوه عن السّورة ، فسكت ساعة لا يرجع إليهم شيئا ، ثمّ قال : « نسخت البارحة » ، فنسخت من صدورهم ومن كلّ شيء كانت فيه « 1 » .
هامش
( 1 ) حديث صحيح . أخرجه الطّحاويّ في « شرح المشكل » ( 5 / 272 رقم : 2035 ) والبيهقيّ في « دلائل النّبوّة » ( 7 / 157 ) وابن الجوزيّ في « نواسخ القرآن » ( ص :
110 - 111 ) والواحديّ في « الوسيط » ( 1 / 189 ) من طريق أبي اليمان ، قال :
حدّثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن الزّهريّ ، حدّثني أبو أمامة ، به .
قلت : وهذا إسناد صحيح .
تابع شعيبا : يونس بن يزيد الأيليّ ، عن الزّهريّ ، قال : حدّثنا أبو أمامة بن سهل ونحن في مجلس سعيد بن المسيّب ، لا ينكر ذلك ، أنّ رجلا ، فذكره ولم يذكر « الرّهط » . -