فهذا الّذي جاءت به هذه الآيات لم يكن نسخا لشيء ، إنّما كانت الخمر قبل نزول هذه الآيات مباحة ، لكونها ممّا كان النّاس يتعاطونه كسائر مشاربهم المباحة بأصلها ، إذ لم يرد المانع ، فلمّا نزلت آية البقرة دلّت النّاس على ما فيها من الضّرر وأخرجتها من دائرة الإباحة المطلقة إلى إباحة مضيّقة ، فلمّا نزلت آية النّساء زادت في التّضييق ولم تحرّم تحريما مطلقا ، فلمّا نزلت آية المائدة أتت على ما بقي من الإباحة الّتي لم تتناولها الآيتان السّابقتان ، فهي آيات مصدّقة لبعضها ، وليس بينها تناسخ ، إذ من شرط صحّة النّسخ - كما سيأتي - ثبوت التّعارض بين النّاسخ والمنسوخ ، وهذا معدوم هاهنا فيما بين هذه الآيات ، ثمّ إنّ ما دلّت عليه من الحكم لم يسبق إلّا بالإباحة الثّابتة بسكوت الشّارع ، لا بنصّه .
ولو صحّ إطلاق النّسخ على نقل حكم الإباحة الأصليّة إلى حكم آخر بدليل الشّرع ، لساغ أن نقول في كلّ آية تحريم : هي ناسخة لما كان عليه الحال قبل نزولها ، وهذا مخالف لما دلّ عليه القرآن من معنى النّسخ ، كما ستعلمه من المباحث التّالية « 1 » .
إذا فهذه الوجوه الخمسة الّتي وقع إطلاق ( النّسخ ) عليها في كلام السّلف ، ليست في التّحقيق من باب النّسخ الّذي استقرّ معناه عند أهل العلم من بعد ، وجميعها ممّا يجب التّنبّه له ؛ وذلك خشية إبطال العمل بنصّ من نصوص القرآن بالظنّ والوهم ، فإنّ أكثر ما ادّعي فيه النّسخ يرجع إلى هذه الوجوه .
فإن قلت : فلم سمّوا ذلك نسخا ؟
قلت : يجيب عن ذلك العلّامة الشّاطبيّ بقوله : « لأنّ جميع ذلك
هامش
( 1 ) وانظر : الموافقات ، للشّاطبيّ ( 3 / 107 ) ، والتّلخيص ، للجوينيّ ( 2 / 460 ) .