تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقدمات الاساسية في علوم القرآن — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
به مطلقا ، فاستعماله لم يزل قائما ، لكنّه موقوف حتّى يكون الوقت الّذي يناسبه ، وليس هكذا النّسخ بمعناه الاصطلاحيّ ؛ لأنّ هذه الصّورة ليست معارضة بين نصّين نفى المتأخّر منهما المتقدّم . ومثاله جميع الآيات الآمرة بالعفو أو الصّفح أو الإعراض عن المشركين والكفّار ، مع الآيات الآمرة بقتالهم أو بأخذ الجزية منهم ، فقد زعم بعض السّلف أنّ القتال أو أخذ الجزية قد نسخ الحكم الأوّل . كما قال التّابعيّ قتادة بن دعامة السّدوسيّ : « كلّ شيء في القرآن
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ
منسوخ ، نسخته براءة والقتال » « 1 » . وهذا هو الّذي عبّرت عنه طائفة بقولهم : ( منسوخ بآية السّيف ) ، يريدون بقوله تعالى :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
[ التّوبة : 5 ] . وجميع ذلك ليس من باب النّسخ في شيء ، إذ شروط النّسخ منتفية فيه ، والعمل بالنّصّين جميعا حاصل . ولبعض العلماء في هذا النّمط من النّصوص تفسير حسن يبقي على الإعمال للنّصّين ، كلّ منهما في وقته المناسب له ، ويجعل ترك العمل المؤقّت بأحدهما ممّا يندرج تحت قوله تعالى :
أَوْ نُنْسِها
[ البقرة : 106 ] على قراءتي عبد اللّه بن كثير المكّيّ وأبي عمرو بن العلاء البصريّ من السّبعة ، فقال الزّركشيّ : « ما أمر به لسبب ثمّ يزول السّبب ، كالأمر حين الضّعف والقلّة بالصّبر وبالمغفرة للّذين لا يرجون لقاء اللّه ، ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والجهاد ونحوها ، ثمّ نسخه إيجاب ذلك ، وهذا ليس بنسخ في الحقيقة ، وإنّما هو نسء ، كما
هامش
( 1 ) أثر صحيح . أخرجه ابن الجوزيّ في « نواسخ القرآن » ( ص : 427 ) بإسناد صحيح .