الاستعارة المجرّدة
من معاني التجريد في اللغة التعرية والتخلية ، يقال جرّد فلان من ماله ، أي أخذ منه ، وخلت منه يده 1 والتجريد في الاستعارة ضد الترشيح ، وهو عند علماء البيان يدور معناه حول ذكر ما يلائم المشبه دون المشبه به .
فيرى الفخر الرازي أن الاستعارة تكون تجريدية إذا عقبت بصفات ملائمة للمستعار له - يعنى المشبه - أو تفريع كلام ملائم له 2 .
أما بدر الدين ابن بن مالك فيقول :
« تجريد الاستعارة هو أن تقرن بما يلائم المستعار له » 3 .
وكذلك قال الخطيب القزويني 4 .
أما العلوي فقد أطال في تعريفها مع التمثيل لها فقال :
« فأما الاستعارة المجردة فإنما لقّبت بهذا اللقب لأنك إذا قلت :
رأيت أسدا يجندل الأبطال بنصله ، ويشك الفرسان برمحه ، فقد جردت قولك « أسدا » من لوازم الآساد وخصائها ، إذ ليس من شأنها تجريد الأبطال ، ولا شك الفرسان بالرماح والنصال 5 وإلى هذا ذهب السبكي 6 ، والتفتازاني 7 ، والزركشي 8 ، والسيوطي 9 .
وقد وردت الاستعارة المجردة في كتاب اللّه العزيز في عدة مواضع ، منها قوله تعالى :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
10 .
استعيرت الإذاقة لشدة الإحساس بالآلام واستعير اللباس لما أحاط بهم من عقاب اللّه تعالى .
وقوله عز وجل :
« فأذاقها » تجريد ، روعى فيه جانب المشبه ، الذي هو « الإصابة » بآلام الجوع والخوف ، والمشبه به في الاستعارة الثانية ( لباس ) فكان يلائمه أن يقال : فألبسها ولكنه قال :
« فأذاقها » وهو لا يلائم « اللباس » وإنما يلائم « اللباس » أن يقال : فكساها اللّه لباس الجوع والخوف 11 .