الاستعارة المرشّحة
الترشيح لغة : هو التقوية 1 ، وأما اصطلاحا فإن كل الأقوال فيه تجمع على شئ واحد ، هو أن يذكر في الكلام ما يناسب المشبه به ، وهو المستعار في أسلوب الاستعارة .
والترشيح وصف عارض للاستعارة ، ولا يدخل في عناصرها الأولية المكونة لها ، وهو ليس بلازم فيها وكان ممن وضع لها تعريفا فخر الدين الرازي حيث قال « هي التي قرنت بما يلائم المستعار منه ، وهي أن يراعى جانب المستعار ، ويولى ما يستدعيه ، ويضم إليه ما يقتضيه » 2 .
وكذلك قال الحلبي في تعريفها 3 .
وجمهور البلاغيين يسمون الاستعارة التي قرنت بما يناسب المشبه به ( اللفظ المستعار ) :
الاستعارة المرشحة ، أو الاستعارة الترشيحية 4 .
وهي أقوى أنواع الاستعارة ، وأكثرها مبالغة لأن الاستعارة تقوم على تناسى التشبيه ، وذكر ما يلائم المشبه به ( اللفظ المستعار ) يساعد على تناسى التشبيه ؛ لذلك قالوا في بيان قيمة الاستعارة المرشحة :
« وأجل الاستعارات الاستعارة المرشحة » 5 .
ومن أمثلتها في القرآن الكريم ، قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
6 .
استعار الاشتراء للاختيار والاستبدال أي استبدلوا الضلالة بالهدى ، لأنه لا بيع ولا شراء على الحقيقة ، وهي استعارة تصريحية لذكر المشبه به « الاشتراء » تبعية لجريانها في الفعل وقد ذكر في هذه الاستعارة ما يلائم المشبه به ، وهو نفى الربح في قوله تعالى :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
لأن الربح والتجارة يلائمان المشبه به وهو الاشتراء .
وفي بيان هذا يقول الإمام الزمخشري :
حيث إن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال . فما معنى ذكر الربح والتجارة كأن ثمة مبايعة على الحقيقة ؟
قلت هذا من الصنعة البديعة ، التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا ، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز ثم تقفّى بأشكال لها وأخوات ، إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة ، وأكثر ماء ورونقا وهو المجاز المرشح .