تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موجز علوم القرآن — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
بشرية الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم دون الزعم بكونه ملكا ، أو إحاطته بخزائن اللّه أو علمه بالغيب أو نحو ذلك ، واتخاذ الاستدلال والبرهنة دون التقليد الببغاوي ، والمحاكمات العجماوية ، تعدّ من عجائب القرآن ، إذ إن هدفه في تحرير عقول الناس وأصالته في دوره كان يحول دون أن يسلك سبيل سائر ( الأطروحات ) التي تجعل المغالطات والمواعيد الكاذبة والسبل الملتوية أساليب لها من أجل تحقيق غاياتها ومطامعها . وبذلك يكون القرآن قد أحدث تغييرا جذريا لا في أصول حياة الناس وركائز تفكيرهم فحسب ، بل وفي طرق التحولات الاجتماعية وأساليب النهضات الحضارية في العالم . حيث كان المعتاد أن من يحاول أمرا تشبث بكل الوسائل المؤدية إليه مهما كانت درجة مشروعيتها ولكن الإسلام يرتفع عن هذا المستوى ويؤكد أن الوسيلة جزء لا يتجزأ من الغاية ( من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ) وقول الإمام علي عليه السّلام لأهل العراق : ( وإني لأعلم بما يحملكم على طاعتي . . . ) ويقول مسلم بن عقيل لهاني بن عروة حين طلب منه الفتك بعبيد اللّه بن زياد ( نحن أهل بيت نكره الغدر . . . ) الخ . وحيث ( لا يعبد اللّه من حيث يعصى ) فإن القرآن الكريم لم يعتمد في دوره الرسالي لتحرير عقول الناس إلّا على الأسس الوضاءة والأساليب المشرّفة ، لبناء عالم الإنسان الإنسان ، على أنقاض عالم الإنسان المنهار ، أو المرتد إلى عصور الجاهلية السحيقة . وبفضل الأساليب والأسس المشروعة استطاع القرآن تحرير عقول الناس وفك عقالها ، واستطاع أن ينتصر - في برهة من الزمن - على الوثنية والشرك بشتى صورها ، وعلى الديانات بمختلف مذاهبها ، وأن يحيل الركود الفكري ، والجمود العقلي ، إلى حركة تأملية كبرى ، تمخضت عن تولي زمام العالم في شتى الميادين ، وأصبحت أمة القرآن طليعة أمم الأرض قاطبة وأعزها مكانة وأقواها شكيمة وأوسعها علما وأعلاها هداية ورشادا .