القرآن جملة كما أنزلت التوراة على موسى . قال اللّه :
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
لنثبت به فؤادك ، كان ينزل الآية والآيتين « 1 » .
( وقيل معنى
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
أي لتحفظه فإنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ففرّق عليه ليثبت عليه حفظه بخلاف غيره من الأنبياء فإنه كان كاتبا قارئا فيمكنه حفظ الجميع ) « 2 » .
( وقال ابن فورك : قيل أنزلت التوراة جملة لأنها نزلت على نبي يقرأ ويكتب وهو موسى . وأنزل القرآن مفرّقا لأنه نزل غير مكتوب على نبي أمي « 3 » .
ولقد ساوى اللّه تعالى نبينا بسائر الأنبياء في إنزاله القرآن جملة « 4 » ، وفضل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم على سائر الأنبياء بتنزيله منجما مرة أخرى ليحفظه . إذ إن تردد الوحي في كل ما يستجد من حادثة أشد عناية بالمرسل إليه كما أن فيه ما يبعث السرور في قلب الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم .
والأمية في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم صفة تعلي شأنه وتظهر إعجاز القرآن بجلاء . حيث إن القراءة والكتابة وسيلة للعلم لا غاية بذاتها . وقد جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم بما لم يأت به نبي ولا رسول ولا أحد من قبله ولا من بعده ، من سعة الشريعة الغراء وشمولها وسموها . ولو كان يقرأ ويكتب لما كان هذا الشأن الذي أبهر علماء العالم .
هامش
( 1 ) الفراء : أبو زكريا يحيى بن زياد ، معاني القرآن ج 2 / 267 وما بعدها .
( 2 ) السيوطي : معترك الأقران ج 2 / 206 .
( 3 ) المصدر نفسه .
( 4 ) قال السيوطي : ( إن سائر الكتب أنزلت جملة ، وهو مشهور في كلام العلماء ، وعلى ألسنتهم حتى كاد يكون إجماعا ، وقد رأيت بعض فضلاء العصر أنكر ذلك ، وقال إنه لا دليل عليه ، بل الصواب أنها نزلت مفرقات كالقرآن . وأقول : الصواب الأول ) راجع الأدلة على ذلك : معترك الأقران في إعجاز القرآن ج 2 / 207
وجاء أيضا : ( أن نزول التوراة على موسى كان على زمان تكليمه . . . متراخيا في أكثر من أربعين سنة ) تفسير شبر ، هامش ص 12 .