ولقد عشنا ، وسمعنا كثيرا من ( الأطروحات ) التغييرية التي تطرح في الساحة الإنسانية أملا في أن يؤمن بها الفرد ، وتسود الجماعة ، ولكن سرعان ما تغدو فقاعة صابون تنجاب بأول هزة ، أو أن تبقى نظريات مجردة تحتجنها بطون الكتب . . .
ومن الجلي أن ( الأطروحة ) الإسلامية مدهشة للغاية ، من حيث ميزاتها الذاتية ، وآثارها التطبيقية . فإنها في عمقها التشريعي وشمولها لكل ألوان النشاط الإنساني ، الفردي والجمعي ، وعلى كل صعيد من جهة ، وسرعتها الخارقة التي استطاعت خلالها أن تجسّد عقائدها وتشريعاتها ، وتمثل قيمها ومثلها ، وتحقيق أهدافها وأغراضها ، من جهة أخرى ، قد تميزت بميزات أفردتها عن سواها ، وسجلت في هذا المجال نصرا لم تشهد مثيله الإنسانية . . .
ولم تكن ( الطريقة ) الفريدة التي مارستها الرسالة الإسلامية في تغيير المجتمع تشوبها شائبة من شوائب ( العفوية ) أو ( الارتجال ) أو ( الاعتباط ) ، وإنما كانت مقدرة أحسن تقدير ، ومرسومة من قبل العليم الخبير ، ولهذا أثمرت للبشرية أسمى حضارات كوكبنا الأرضي .
ولو تدبرنا طريقة الدعوة الإسلامية لوجدناها أخذت بالتدرّج في ثلاث مجالات :
الأول - التدرج في موضوع الرسالة :
حيث بدأ الإسلام بتغيير عقائد الناس وأفكارهم أولا ، ثم راح يضع لهم القوانين والتعاليم ، التي تنظم الفرد والمجتمع ثانيا ، وذلك لأن الإنسان يسهل عليه أن يغير فكرة سبق أن آمن بها ، وأن يقتنع بفكرة جديدة قام الدليل على رجحانها ، في حين يعسر عليه ويشق أن يغير تعاملا سلوكيا سار عليه واعتاده . وهذه ( القضية ) واضحة من تدبر طبيعة الآيات التي نزلت في مكة فإنها : عقائدية بصورة عامة ، أما الآيات التي نزلت بعد الهجرة فإنها : تشريعية عملية بصورة غالبة .