والتطبيق ولم يأت القرآن بوسيلة أو غاية ، إلّا وكان لها النصيب الأوفر من الواقعية والديمومة .
فلقد بدأ القرآن ينزل نجوما ، وكان بهذا الأسلوب في النزول غاية في الحكمة والواقعية ، حيث كان الفساد ، من خمر وظلم وعدوان ورق وأنانية واحتقار للمرأة وإعظام للمال وازدراء للفقراء ، وغيرها من الشرور المستطيرة في كل شعب الحياة ، فاستطاع أن يقتلع كل المفاسد الاجتماعية ، لا بإصدار أوامر أو قرارات فاشلة لا يكتب لها الإصدار إلّا وتمنى بفشل في الالتزام والتطبيق - كما فعل إبراهيم لنكولن في محاولته الشهيرة الخائبة في تحرير العبيد ، أو كما حاولت أمريكا تحريم الخمور ففشلت - وإنما مهّد لغاياته العليا بتهيئة الجوانب النفسية والعوامل البيئية المناسبة ، لكي تخرج كل محاولاته التغيرية إلى النور ، ومعها كل أسباب النجاح والبقاء . . .
ولهذا نجد القرآن الكريم حين نهى عن الكبر
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً
وعقوق الوالدين
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
والبخل
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
والإسراف
وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
ونهى عن أن يعيب المسلم على أخيه المسلم
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ
والغيبة
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
وسائر الأخلاق الذميمة مما كان سائدا معتادا في المجتمع الجاهلي ، وحين أكد على صلة الرحم . . .
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
وأمر بالتعاون والإحسان والإنفاق على الأقرباء المحتاجين والجار وسائر الفقراء وأوصى بالصدق والعدل وقول الحق ومقاومة الطغيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومساعدة الضعيف وقضاء حوائج الناس ونحو ذلك من الصفات الجميلة والخلال الحميدة ، نقول حين باشر القرآن هذا النهي وهذا الأمر بل هذه الثورة الأخلاقية الشاملة ، كان يحقق أمثلة حية من روائع النماذج الخلقية ، متمثلة فيمن آمن به واتبع الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم .