فاستطاع القرآن بكل جدارة ، أن يستبدل المفاسد والشرور التي طبقت المجتمع الجاهلي ، بمكارم الأخلاق ، وأن يشيع فيه من الأعراف والقيم والمثل ، ما تتحرى البشرية اليوم عن آثارها ، وتلتمس عودتها وتنشد مصاديقها .
2 - في مستوى التطبيق :
ولقد كانت الأنانية هي السائدة لدى الجاهليين « والأثرة هي الغالبة عليهم ، والتعصب هو الطاغي فيهم ، وإذا بالقرآن الكريم يحول هذه الهنات إلى نكران ذات ، وإيثار وأريحية ، لا يكاد المرء يتصوّرها ، أو يعقلها ، لولا أنها وقائع مادية ملموسة ، شهدتها الدنيا وأنارت صفحات مجيدة من تاريخ أمتنا الإسلامية .
. . . تجتمع قريش وتجمع على اغتيال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم في فراشه وهو نائم فيتقدم إليه الإمام علي عليه السّلام قائلا : يا رسول اللّه نفسي لنفسك الفداء . . . ويبيت في فراشه - وهو على علم بما دبرت قريش من مؤامرة - وتشاء إرادة اللّه أن ينجو النبي والوصي من كيد المشركين وتكون كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة اللّه هي العليا ويهبط الأمين جبرائيل مرتلا :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ . . .
[ سورة البقرة ؛ الآية : 207 ] .
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ . . .
[ سورة التوبة ؛ الآية : 111 ] .
. . . ويشب أوار الحرب ويشتد القتال ، ويسقط المجاهد في ساحة المعركة ، فيؤتى له بالماء ليشرب ، فيشير إلى جريح إلى جانبه :
أن اسقوه ، فإنه سقط قبلي ، ويصل الساقي إليه ، فيشير إلى جريح ثالث آخر قائلا : اسقوه فإنه سقط قبلي ، ويصل الساقي إلى الجريح الثالث فيجده قد استشهد ، ويسرع للثاني فيلقاه قد مات ، ويعود إلى الأول وإذا به قد فاضت روحه الزكية الأبية ! ! ! هذا الشعور الإنساني يتجلى بفضل القرآن لا في حالة أمن ودعة وسلام حيث تسود