تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
على ما أمرتني به أن أقوله شيئا ، ولكن المعنى أني لم أدع مما أمرتني به أن أقوله شيئا ، ولم يذكر ما يخالفه . . وحكم - غير - إذا وقع موقع - إلّا - حكم الّا . . وأما - انما - فالاختصاص فيها يقع مع المتأخر ، فإذا قلت إنما ضرب عمرا زيد ، فالاختصاص في الضارب كما قال سبحانه وتعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
وإذا قلت إنما ضرب زيد عمرا فالاختصاص في المضروب ، وإذا قلت إنما هذا لك فالاختصاص في - لك - بدليل أنك تقول بعده لا لغيرك وإذا قلت إنما لك هذا فالاختصاص في - هذا - بدليل أنك تقول بعده لا ذاك . قال اللّه تعالى :
فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ
فإذا وقع بعدها الفعل فالمعنى أن ذلك الفعل لا يصح إلا من المذكور كقوله تعالى :
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
. . وقد يجمع معها حرف النفي إما متأخرا . كقولك إنما جاءني زيد لا عمرو ، وإما متقدما كقولك ما جاءني زيد ، وإنما جاءني عمرو . فهناك لو لم تدخل - إنما - كان الكلام مع من ظن أيهما جاءك ، وإن أدخلها كان الكلام مع من غلط في الجائي ، ولو قلت إن عمرا جاءني فإن كانت المستغنى عنها فظهرت فائدة دخول - ما - على - إنّ - في - انما - . . واعلم أن موضوع - انما - أن يجيء في أمر لا يدفع المخاطب صحته كقوله تعالى :
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ
أو ينزل بعده منزلته كقول الشاعر :
إنما مصعب شهاب من اللّه * تجلّت عن وجهه الظّلماء
فادعى كونه بهذه الصفة مما لا ينكره أحد . ومثله قوله تعالى حكاية عن اليهود :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ
الذي يدعون انهم مصلحون أمر ظاهر معلوم ، فلذلك أكد الأمر في الرد عليهم فجمع فيه بين - ألا - التي هي للتنبيه و - إن - التي هي للتحقيق - وهم - التي هي للتأكيد فقال :
أَلا
الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 229 | ابن قيم الجوزية