تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ
. . وقال ابن الأثير وهم يرون بالتخصيص في أعمال العام في النفي والخاص في الاثبات مثال ذلك : الحيوانية والانسانية ، فإن اثبات الانسانية يوجب اثبات الحيوانية ولا يوجب نفيها نفي الحيوانية ، وكذلك نفي الحيوانية يوجب نفي الانسانية ، ولا يجب من اثباتها اثبات الانسانية . . ومما يدخل في هذا الباب الأسماء المفردة الواقعة على الجنس الذي يكون الفرق بينها وبين واحدها تاء التأنيث ، فإنه متى أريد النفي كان استعمال واحدها أبلغ ، ومتى أريد الإثبات كان استعمالها في الجنس أبلغ . فالأول هو الخاص والعام نحو قوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
ولم يقل بضوئهم ، لأن ذكر النور في حالة النفي أبلغ من حيث أن الضوء فيه الدلالة على النور وزيادة ، فلو قال ذهب اللّه بضوئهم كان المعنى يعطي نفي تلك الزيادة ، وبقاء ما يسمى نورا ، لأن الإضاءة هي فرط الإنارة دليله قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً
فكل ضوء نور ، وليس كل نور ضوأ . والغرض من قوله - ذهب اللّه بنورهم - إنما هو إزالة النور عنهم رأسا فهو إذا أزاله فقد أزال الضوء . وكذلك قوله تعالى :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
ولم يقل أذهب اللّه نورهم لأن كل من ذهب بشيء فقد أذهبه ، وليس كل من أذهب شيئا ذهب به ، لأن الذهاب بالشيء هو استصحاب له ومضى به ، وفي ذلك نوع احتياز للمذهوب به ، وإمساك له عن الرجوع إلى حالته ، والعود إلى مكانه ، وليس كذلك الإذهاب للشيء لزوال معنى الاحتياز ، وهذا كلام دقيق يحتاج إلى زيادة تأمل وإنعام نظر ، فافهمه وقس عليه ما أشبهه ، وباللّه التوفيق .