تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
المحمدية كانت مبنية على أساس البراهين العقليّة والعلميّة كما كانت مبنيّة على رفع الإكراه في الدين . قال سبحانه : « لَا اكْرَاهَ فِى الدَّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَىِّ » ( البقرة / 256 ) . مع إنّا نجد في هذه الآيات ما يعلن صريحاً مجابهة المشركين بلاهوادة ويخيّرهم بين طريقين لا ثالث لهما إمّا العزوف عن الشرك والدخول تحت لواء التوحيد وإمّا ترقّب الحرب بعد انقضاء أربعة أشهر من تاريخ بدء إعلان البراءة في قوله سبحانه : « بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِنَ المُشْرِكِينَ » . وهذا هو الذي أثار تساؤل الكثير من المحقّقين والباحثين في العصور المتأخّرة ويمكن الجواب عنه بأحد وجهين : 1 - إنّ البراءة كانت مختصّة بالمشركين الذين كان لهم مع رسول الله عهد ، ولكنّهم غدروا وخانوا ونقضوه . فلأجل ذلك لم يكن بد من رفض العهد المنقوض من جانبهم ، وكانوا في كل زمن على أهبة الهجوم على المسلمين فلا يصحّ لقائد الإسلام السكوت وتركهم حتى يتآمروا على الإسلام والمسلمين وإليك تفصيل ذلك : إنّ هذه الآيات ترفع الأمان عن الذين عاهدوهم من المشركين لأجل أنّهم لاوثوق بعهدهم بشهادة أنّهم لم يراعوا حرمة العهد ونقضوا ميثاقهم وقد أباح سبحانه في تلك الفترة إبطال العهد بالمقابل نقضاً بنقض قال سبحانه : « وَامَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ الَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ انَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ » ( الأنفال / 58 ) . فأباح إبطال العهد عند مخافة الخيانة ولم يرض مع ذلك إلّا إبلاغ النقض إليهم لئلّا يؤخذوا عن غفلة من أمرهم فيكون ذلك من الخيانة . والدليل على أنّ ذلك الرفع لم يكن جزافاً هو أنّ الآيات استثنت المتثبين على العهد وقالت : « الَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ احَداً فَاتَمُّوا الَيْهِمْ عَهْدَهُمْ الَى مُدَّتِهِمْ انَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ » ( التوبة / 4 ) .