ولهم مع ذلك كذب في القول ومراء في الكلام ، فإذا كان الأمن والرخاء مخيِّما فخروا بمقاماتهم المصطنعة من النجدة والشجاعة والبأس ، وإلى هذه الحالات الثلاثة يشير قوله تعالى :
« اشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَاذَا جَاءَ الخَوْفُ رَايْتَهُم يَنْظُرُونَ الَيْكَ تَدُورُ اعْيُنُهُمْ كَالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَاذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُم بِالْسِنَةٍ حِدَادٍ اشِحَّةً عَلَى الخَيْر اولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاحْبَطَ اللَّهُ اعْمَالَهُم وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً » .
إلى الحالة الأولى - أيجبنهم في الحرب يشير قوله : « اشِحَّةً عَلَيْكُم » أيبخلاء عليكم بالنفقة والنصرة ، فهم لا يودّون مساعدتكم ولا نصرتكم لا بنفس ولانفيس .
وإلى الحالة الثانية يشير قوله : « اشِحَّهً عَلَى الخَيْرِ » أيالغنائم .
وإلى الحالة الثالثة يشير قوله : « فَاذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُم بِالْسِنَةٍ حِدَادٍ » .
وفي النهاية كتب على أعمالهم الضئيلة بالإحباط كما في قوله : « اولَئِكَلَمْيُؤْمِنُوا فَاحْبَطَ اللَّهُ اعْمَالَهُم » .
وفي نهاية المطاف يتناول سبحانه هؤلاء ما هو مفاده : إنّ مقدار الجبن والهلع الذي لحق بهم ، وعظيم الدهشة والحيرة التي أحاطت بهم ، بلغ إلى حدٍ أنّهم يظنّون إنّ الأحزاب ما زالت مرابطة في ثكنات معسكرهم في الوقت الذي رحلوا فيه .
والذي يعرب عن عظم ما انتابهم من الوجل ، أنّه لو رجعت الأحزاب تمنّوا أن لو كانوا مقيمين في البادية بعيدين عن المدينة حتّى لا ينالهم أذى أو مكروه ويكتفون بالسؤال عن أخبار من قاوم من جانب المدينة ، وإليه يشير قوله سبحانه :
« يَحْسَبُونَ الاحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وانْ يَأْتِ الاحْزابُ يَوَدُّوا لَو انَّهُمْ بادونَ في الْاعرابِ يَسْالُونَ عَنْ انْبائِكُم وَلَو كَانُوا فِيْكُم ما قاتَلُوا الّا قليلًا » .
إنّه سبحانه بعد أن فصّل أحوالهم ، وكشف عّما كنّته صدورهم وما أضمروه ،
مفاهيم القرآن — صفحة 386
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٨٦