فأقام رسول اللَّه بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأوّل إلى صفر من السنة التالية حتّى بنى له فيها مسجده ومساكنه ، فلم يبق دار من دور الأنصار إلّا أسلم أهلها إلّا حيّ من الأوس ، فإنّهم أقاموا على شركهم .
ولأجل إستتباب الأمن ، وإضفاء طابع الوحدة السياسية على القبائل التي تستوطن يثرب وما جاورها كتب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار ، وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرّهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم .
وقد نقل ابن هشام الكتاب برمّته وهو أوّل منشور سياسي أدلى به النبي إبّان نزوله بالمدينة .
ولم يكتف بذلك حتى آخى بين المهاجرين والأنصار ، فقال : تآخوا في اللَّه أخوين أخوين ، ثمّ أخذ بيد علي بن أبي طالب ، فقال : هذا أخي ، فكان رسول اللَّه سيّد المرسلين وإمام المتّقين ورسول رب العالمين الذي ليس له نظير من العباد وعلي بن أبي طالب عليه السلام أخوين ، وكان حمزة بن عبد المطلب أسد اللَّه وأسد رسوله وعمّه وزيد بن حارثة مولى رسول اللَّه أخوين ، وإليه أوصى حمزة يوم احدحين حضره القتال إن حدث به حادث الموت ، فهكذا تآخى المهاجرون والأنصار أخوين أخوين .
فلمّا إطمأنّ رسول اللَّه بالمدينة والتفّ حوله إخوانه من المهاجرين واجتمع أمر الأنصار ، إستحكم أمر الإسلام ، فقامت الصلاة وفرضت الزكاة والصيام وقامت الحدود وفرض الحلال والحرام ، وشرع الآذان « 1 » .
ولمّا استحكمت شوكة المسلمين ظهرت من أحبار اليهود العداوة حسداً وضغناً والتحق بهم رجال من الأوس والخزرج فتظاهروا بالإسلام ، ونافقوا في السرّ وكان هواهم مع اليهود .
هامش
( 1 ) . السيرة النبويّة : ج 1 ص 494 - 512 .