تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
ب - إنّ هؤلاء جاهلون بالحكمة في إختلاف المعاجز والآيات التي تنزل على أنبياء اللَّه تعالى ويزعمون أنّه يجب أن تكون معاجز الجميع على حد سواء مع أنّ المصالح تقتضي أن تختلف معاجز الأنبياء ذاتاً وسنخاً حتى تتم الحجّة على المرسل إليهم ، وتفصيل القول في ذلك إنّه يجب أن تكون معجزة كل نبي مجانسة للفن الرائج في عصره حتى إذا عرضت على مهرة ذلك الفن وخبرائه ، أذعنوا بتفوّقه على قدراتهم وطاقاتهم ، والذي جاء به مدّعي النبوّة فوق حدود العلم والفن الذي تمرّسوا فيه ، وهذا يقتضي كون المعجزة مسانخة لما برعوا فيه في ذلك العصر إذ لو كان مغايراً ومفارقاً لما تمّت الحجة ولما الزموا بها إذ بوسعهم أن يعترضوا ويقولون : لاخبرة بشأن ما اتيت به ، فكيف لنا التحدّي والمناجزة أو التصديق بأنّ ما جئت به معجزة إلهية تفوق قدرة البشر ، فاقتضت المصلحة تسانخ المعاجز للفنون الرائجة في عصر كل نبي . وقدبلغ فن السحر والشعبذة في عصر الكليم موسى الذروة والقمّة كما اكتسب الطب في عصر المسيح أهميّة بالغة ، فجاء الكليم موسى بالعصا واليد البيضاء فأبطل سحرهم وأثبت أنّ ما أتى به معجزة تفوق حد السحر وإن كان بينهما مشاكلة في الصورة ولكنّها تباينه بالذات ، كما أنّ المسيح بابراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى كان قدأثبت أنّ ما أتى به فوق علمهم وطاقتهم وبراعتهم ، وخارج عن الموازين الطبيعية التي كانوا يعتمدونها في الإبراء والمداواة . فنفس تلك المصلحة تتطلّب أن تكون معجزة النبي الأكرم مشابهة لما برع فيه العرب في العصر الجاهلي لأنّه كان قدراج بينهم إنشاء الخطب البليغة الفصيحة ونظم الشعر والتحدّي بينهم في ذلك ، فجاء بكتاب متحدّياً بصريح نصّه : « وَإِنْ كُنْتُمْ فِى رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ اعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ » ( البقرة / 23 و 24 ) . وإلى هذا الجواب يشير قوله سبحانه في ذيل الآية التي نبحث عنها :