بعث بمعاجز مثل العصا إذا رمى بها في مجال التحدّي تنقلب ثعباناً ، وبإدخال اليد في الجيب إذا أخرجها منه تكون بيضاء للناظرين ، فاعترضوا عليه صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه يجب أن تكون حجّة رسالته كحجج الكليم موسى عليه السلام وقدحكى ذلك منهم سبحانه بقوله : « فَلَمَّا جَاءَهُمْ الحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِىَ مِثْلَ مَا أُوتِىَ مُوْسَى » ( القصص / 48 ) .
وفي آية أخرى : « وَقَالُوا لَوْ لَا نُزِّلَ عَلَيِهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَايَعْلَمونَ » ( الأنعام / 37 ) . وربّما يحتجّ بهذا الاعتراض من في قلبه مرض من المستشرقين ، فيجب علينا تناوله بشيْء من الدراسة والتحليل لرفع ما فيه من الإيهام والإبهام وذلك من خلال جوابين مستفادين من القرآن الكريم :
أ - إنّ هذا الاعتراض كان لمحض اختلاق المعاذير ، والشاهد على ذلك إنّ هؤلاء المشركين وصفوا ما أوتي الكليم بالسحر أيضاً ، فقد روى المفسّرون أنّ المشركين بعثوا رهطاً إلى رؤوس اليهود في عيد لهم فسألوهم عنه صلى الله عليه وآله وسلم فأخبروهم بنعته وصفته في كتابهم التوراة ، فرجع الرهط إلى قريش فأخبروهم بقول اليهود ، فقالوا عند ذلك : « سِحْرَانِ تَظَاهَرَا » وإليه يشير قوله سبحانه : « أَوَلَمْيَكْفُرُوا بِمَا اوتِىَ مُوْسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إنّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ » ( القصص / 48 ) .
ويظهر من الآيات الواردة بعد هذه الآية أنّهم رجعوا إلى أهل الكتاب واستفتوهم في أمره وعرضوا عليهم بعض القرآن النازل عليه ، فأجابوا عنه بتصديقه والإيمان به ، فساء ذلك المشركين وأغلظ عليهم بالقول وأعرض الكتابيّون عنهم وقالوا : سلام عليكم لانبتغي الجاهلين .
قال سبحانه : « الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ . . . وَإِذَا سَمِعُوا الْلَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لانَبْتَغِى الجَاهِلِينَ » ( القصص / 52 - 55 ) « 1 » .
هامش
( 1 ) . لاحظ التفاسير .