لَخَاسِرونَ » ( المؤمنون / 33 - 34 ) .
الثاني : كانوا يطلبون أن ينزل مع النّبيّ ملك يصدّقه ، وقد ورد هذا المعنى في عدّة آيات ، قال سبحانه : « وَقَالُوا مَا لِهذَا الرّسُولِ يَأكُلُ الطّعامَ وَيمشِي فِي الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ اليْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً » ( الفرقان / 7 ) فالغاية من نزول الملك إلى النبي كونه نذيراً معه ومصدّقاً له ، قال سبحانه : « فَلوْلَا الْقِيَ عَلَيْهِ اسْوِرةٌ مِنْ ذَهَبٍ أوْ جَاءَ مَعَهُ المَلائِكةُ مُقترِنيِنَ » ( الزخرف / 53 ) وقال سبحانه : « فَلَعَلَّكَ تَاركٌ بَعْضَ مَا يُوْحَى اليْكَ وضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ انْ يَقُولُوا لَوْلا انْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جَاءَ مَعَه مَلَكٌ انّما انْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شَيءٍ وَكيِلٌ » ( هود / 12 ) .
وعلى ذلك يحمل قوله سبحانه : « وَقَالُوا لَوْلا انْزِلَ عَلَيْه مَلَكٌ وَلَوْ انْزِلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمّ لَا يُنْظرُونَ » ( الأنعام / 8 ) .
ويحتمل أن يكون المراد مشاهدة الملك معه فقط سواء أنذر معه أو لا ؟ فيدخل في القسم الثالث الآتي .
ثمّ إنّ إنزال الملك مع النبيّ ليصدّق دعوته وينذر معه يتصوّر على وجهين :
أ - أن ينزل الملك بصورته الواقعية - وسيوافيك في القسم الثالث إنّ نتيجة ذلك هو موت المنذرين لأنّهم لا يحتملون رؤيته ومشاهدته بحسب طاقتهم البشريّة إلّا بالانسلاخ عن الماديّة والانتقال إلى مرحلة أعلى منها .
ب - أن ينزل الملك لا بصورته الواقعيّة بل يتمثّل بصورة إنسان وهذا لا يفيد شيئاً لأنّهم باستطاعتهم أن يتّهمونه بأنّه بشر مثل النبيّ وليس بملك .
وبعبارة أخرى : لو جعله ملكاً في صورة بشر لجزموا ببشريّته لأنّهم لا يدركون منه إلّا صورته الظاهرية وصفاته البشريّة التي تمثّل بها ، وحينئذ لا يصدّقونه ويرجع الأمر كما كان في بادي ذي بدء ، وإليه يشير قوله سبحانه : « وَلَوْ جَعَلنَاهُ مَلَكاً لَجَعلْنَاهُ رَجُلًا وَللَبَسْنَا عَليْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ » ( الأنعام / 9 ) أيلكان يلحقهم فيه من اللبس مثل ما
مفاهيم القرآن — صفحة 163
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٦٣