تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
ومن ذلك الخُلق : وهي السجيّة لأنّ صاحبه قد قدر عليه ، والخلاق : النصيب لأنّه قد قدّر لكلّ أحد نصيبه . ويؤيّد كونه متضمّناً معنى الإيجاد قوله سبحانه : « صُنْعَ اللَّه الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ » ( النمل / 88 ) فانّ الصنع في الآية مكان الخلق وليس الصنع صرف التقدير بل العمل عن تقدير . قال سبحانه : « انِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا » ( المؤمنون / 27 ) . قال الراغب : ثم إنّ الخلق تارة يستعمل في إبداع الشيء من غير مادّة ولا احتذاء قال سبحانه : « خلق السماوات والأرض » ( الأنعام / 6 ) أيأبدعهما بدلالة قوله « بديع السماوات والأرض » ( الأعراف / 189 ) وأخرى في ايجاد الشيء من الشيء نحو : « خلقكم من نفس واحدة » . وقال : « خَلَقَ الجانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ » ( الرحمن / 15 ) ثم قال : والخلق الذي هو الابداع للَّه تعالى ولهذا قال في الفصل بينه تعالى وبين غيره : « أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لايَخْلُقُ أَفَلاتَذَكَّرُونَ » ( النحل / 17 ) وأمّا الذي يكون بالاستحالة فقد جعله اللَّه تعالى لغيره في بعض الأحوال كعيسى حيث قال : « وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِى » ( المائدة / 110 ) « 1 » . والظاهر أنّ الراغب بصدد الجمع بين مفاد الآية المثبت لكون الخلق صفة مشتركة بين اللَّه وبين غيره ، وبين الآيات الحاصرة لها في اللَّه سبحانه حيث يقول : « ذلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا الهَ الَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَاعْبُدُوه » ( الأنعام / 102 ) فحصر الخلق في ابداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء في اللَّه سبحانه ، وأمّا الخلق بمعنى الاستحالة فأثبته للمسيح ، وبذلك ارتفع الخلاف بين الآيتين ، وإليه ذهب الطبرسي حيث قال : وفي الآية دليل على أنّ اسم الخلق قد يطلق على فعل غير اللَّه إلّا أنّ الحقيقة في الخلق للَّه سبحانه فقط ، فإنّ المراد من الخلق ايجاد الشيء مقدّراً
هامش
( 1 ) . المفردات للراغب : ص 157 - مادة خلق .
مفاهيم القرآن — صفحة 136 | الشيخ جعفر السبحاني