وهذا كما لو أمر بتجييش الجيش ، والنفر إلى الجهاد ، ومكافحة الظالمين إلى غير ذلك ممّا يتقوّم به إصلاح المجتمع ، ولأجل ذلك عد اللَّه سبحانه مخالفة النبي معصية ربما توجب الخروج عن الدين .
وما ورد من الآيات الدالة على لزوم طاعة النبي ناظرة إلى هذا القسم من الأوامر الناشئة من هذا المقام ، إنّ مقام النبي في هذه الصورة هو مقام القائد الذي يأمر من يكون تحت قيادته وإمرته أو ينهاه ، وليس مقام الإبلاغ المحض الذي ليس له شأن سوى إبلاغ أحكامه سبحانه .
قد تقتضي المصالح الإسلامية - مثلًا - أن يدفع المسلمون - عدا الحقوق المالية الواجبة عليهم - مبالغ إضافية في سبيل المصالح الإسلامية ، أو قد يطّلع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ظلم رجل لزوجته ، ويرى في استمرار العلاقة الزوجية بينهما حرجاً لا يطاق وعسراً لا يتحمّل ، وفي مثل هذه الصور يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدفع الضرائب الخاصة للدولة الإسلامية وإطلاق سراح الزوجة حسماً لمادة الفساد ، ويجب على المؤمنين إطاعته ، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه :
« وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِيناً » . « 1 »
ففي هذه الآية التي تتحدّث عن معصية اللَّه والرسول ليس المقصود هو معصية الرسول بما هو مبلغ لرسالات اللَّه وأحكامه ، إذ ليس في هذه الحالة للرسول الأعظم أيأمر ونهي حتى تعد مخالفته مخالفة للرسول ، بل هو في هذه الحالة ليس إلّا مبلغاً ومنبّئاً ورسولًا بين اللَّه وعباده .
إنّ معصية الرسول إنّما تتحقّق إذا كانت الأوامر صادرة عن موقع القيادة
هامش
( 1 ) . الأحزاب : 36 .