تكون مخالفتهما في سائر الأُمور التي توجب انزعاجهما بكثرة حراماً أيضاً ، نعم إطاعتهما وإن شئت قل : حرمة مخالفتهما محددة بما إذا لم يأمرا بالشرك ، بل بما إذا لم يأمرا بما فيه معصية اللَّه .
لأنّ القرآن لمّا نهى عن طاعة أمر المسرفين في قوله : « وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ » « 1 » ، وعن طاعة الآثم والمكذِّب والغافل في قوله : « وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً » « 2 » ، وقوله سبحانه : « فَلَا تُطِعِ الْمُكَّذِبِينَ » « 3 » ، وقوله سبحانه : « وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ » « 4 » ، وجب علينا أن لا نطيع أمر من يأمر بمخالفة اللَّه ومعصيته ، فإنّ ذلك يشبه أمر من أغفل اللَّه قلبه أو صار من المكذبين والمسرفين ، سواء في ذلك الوالدان وغيرهما ، وبذلك تكون دائرة الإطاعة أضيق مما سبق فتتحدد الإطاعة عندئذ بما لم تكن دعوتهما دعوة إلى معصية اللَّه ومخالفته - على الإطلاق - .
لقد دعا القرآن الكريم المجتمع البشري إلى تكريم مقام الوالدين واحترامهما ، وإطاعتهما ، ولكنّه ذكّر - في نفس الوقت - بنقطة مهمة وجديرة بالاهتمام وهي : أنّ محبة الأبناء لآبائهم وأُمّهاتهم يجب أن لا تكون محبة عمياء ، ولا أن تكون طاعتهم لهم طاعة غير محسوبة تسبب في الخروج عن حدود العدالة .
فإنّ على الأبناء أن لا يكتموا الشهادة الحقّة حتى لو كانت ضد آبائهم وأُمهاتهم لو كانوا ظالمين حقاً .
هامش
( 1 ) . الشعراء : 151 .
( 2 ) . الإنسان : 24 .
( 3 ) . القلم : 7 .
( 4 ) . الكهف : 28 .