الرواية ابتداء ، لنقف على مجموعة من الوثائق التي تشير إلى رواج هذا العالم في العقل الجمعيّ للمسلمين .
الأسباب والوضع
ولكنّ الجدير ذكره أنّ كل ذلك قد تمّ في عصر غاب فيه شاهد الوحي إلّا ما ندر ، و « بانقضاء جيل الصحابة اندثر مصدر مباشر من المصادر المساعدة على ضبط الأطر الاجتماعيّة والمعرفيّة والتاريخيّة التي نزل فيها الوحي » ، « 1 » فكان لا بدّ من اللجوء إلى طبقة أخرى في رواية الأسباب ، وهذا ما فتح الباب واسعا أمام انتشار الوضع في هذا العصر الذي غاب عنه كلّ رقيب .
هذا فضلا عن إشراف الدولة وأصحاب القرار على تدوينها ، فأخضعوها « عند تدوينها ، على نحو منهجيّ ، لما يخضع له كلّ خطاب من تعديل وتنظيم وإبراز وإخفاء وما إلى ذلك ، أي إنّ إعادة بناء الماضي بجميع أبعاده قد خضعت للواقع الثقافيّ الحضاريّ الذي فيه تشكّل ذلك البناء » . « 2 » وما زاد الأمر تعقيدا هو مسألة انتشار القصّاصين ، وبروزهم كصنف من الرواة المسلمين ، وهذه الجماعة وإن حظيت بالمنزلة الرفيعة اعتبارا من عهد الخليفة الثاني ، كما ينقل السائب بن يزيد ، « 3 » إلّا أنّه في عصر الصحابة كان هناك ضابط لحركتهم ، أمّا في هذه الفترة ، فقد تسيّدوا الساحة الثقافيّة ببضاعتهم المزجاة ، من غير منازع .
وقد ميّز مشاغل القصّاصين : الاحتفاء بكلّ ما هو عجيب وغريب خارج عن المألوف لعطف قلوب الجماهير ، فيما لم تكن الحقيقة التاريخيّة من
هامش
( 1 ) . بسّام الجمل ، أسباب النزول ، ص 62 ، 63 .
( 2 ) . محمّد عجينة ، عمليّة تدوين التراث العربيّ الإسلاميّ ، ص 37 .
( 3 ) . القصّاص والمذكّرين ، ص 175 .