تغيّرت الظروف الثقافيّة « وانصبّ جهد المفسّرين في مرحلة تالية على معرفة الحوادث المحيطة بنزول القرآن » . « 1 » ونحن نؤيّد هذا الكلام بمعنى أنّ مدرسة العامّة قد بلغت ذروة اهتمامها بالأسباب معرفيّا وتفسيريّا في فترة متأخّرة ، من غير أن يعني ذلك أنّ الأسباب لم تكن مرويّة ولو شفويّا قبل ذلك ، كمّا أنّ أهل البيت عليه السّلام تابعوا منذ أمير المؤمنين عليه السّلام الأمر بدقّة ، كما مرّ بعض بيان ، ولم يتركوا الأمر إلى فترة دون أخرى .
ثالثا : الأجيال وجهلها بسيرة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم
في موازاة ذلك ظهرت أجيال جاهلة تماما بالفترة الأولى لظهور الإسلام ونزول الوحي ، وهي أجيال عطشى إلى معرفة تفاصيل سيرة الرسول الأكرم ، وراغبة صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالتالي في التعرّف على حقيقة سياق النصّ القرآنيّ والخطاب النبويّ ، وما يحفّ به من ملابسات وقرائن .
وبعد أن ظهرت تفسيرات ورؤى عديدة ترتبط بتلك السيرة ، فكان لا بدّ لأسباب النزول ، حيث كانت رفيقة القرآن من جهة ، أي الكتاب المقدّس ، وسيرة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من جهة أخرى ، أي السنّة الشريفة ، أن تكون الملجأ الأوّل لبثّ الحقائق التاريخيّة .
وخلاصة الكلام ، أنّه بالإضافة إلى تأثير العامل الإيديولوجيّ العقائديّ الذي تطوّر إلى هيكليّات ثقافيّة ودينيّة في هذه الحقبة في مجال البحث في أسباب النزول ، يبرز العامل المعرفيّ على مستوى علوم القرآن وعلى مستوى سيرة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بشكل واضح ، ليشكّل عاملا إضافيّا في توجيه الأنظار إلى هذا البحث .
من هنا لم يكن مستغربا في هذه المرحلة أن تتجاوز رواية الأسباب مرحلة
هامش
( 1 ) . الجلاليّ ، تراثنا ، ج 4 ، ص 20 .