تعمّد عدم إشاعة الأسباب
على أنّه لا بدّ من الالتفات إلى حقيقة مهمّة ومؤثّرة في مجال أسباب النزول ، وهي أنّ الإمام عليّ عليه السّلام لم يكن في روايته أسباب النزول في مقام الاستقصاء ، ولم يكن بصدد إشاعة هذه الأسباب ونشرها بشكل واسع ، بل اقتصر على نقل ما فيه بيان حقائق تدخل في إطار تقويم ما حصل من تشويه أو تشويش مرتبط بأمور مصيريّة ، لمن يريد من الناس أن يستضيء بنور كلماته ، كلّ ذلك مع مراعاة الظروف الموضوعيّة والحسّاسة في ذلك الزمان ، ويتبيّن ذلك جليّا من خلال مراجعة بعض أحاديثه المنقولة عنه في هذا الباب .
حيث يبدو من الأمير عليه السّلام أنّه وبسبب بعض الظروف ، يقوم بتجنّب بيان أسماء من نزلت بشأنهم الآيات ، في عالم أسباب النزول ، كالذي تقدّم حين سأله أحدهم عن قول اللّه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . . .
« 1 » ، فيمن نزلت ؟ ، قال عليه السّلام : « في رجلين من قريش » . « 2 » وممّا يدلّ على هذا الأمر تأكيده عليه السّلام ، وفي أكثر من مناسبة ، على أنّه لو لم يسأل عن سبب النزول ، لما تعرّض إلى بيان ذلك :
فقد روي أنّهم سألوه مرّة : ما نزل فيك ؟ ، فأجابهم : « لولا أنّكم سألتموني ما أخبرتكم . . . » . « 3 » ونقلوا في مورد آخر أنّ رجلا سأله وهو على المنبر : ما نزل فيك أنت ؟ من القرآن ، « 4 » فأجابه الأمير عليه السّلام : « أما إنّك لو لم تسألني على رؤوس الأشهاد ما حدّثتك » . . . « 5 »
هامش
( 1 ) . الحجرات ، 1 .
( 2 ) . المفيد ، الاختصاص ، ص 128 .
( 3 ) . أمالي الصدوق ، ص 227 ، ح 13 .
( 4 ) . وذلك بعد أن ذكر أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه : « ما من رجل من قريش إلّا وقد نزلت فيه آية أو آيتان » ، وقد تقدّم التعرّض لهذا الحديث .
( 5 ) . الأربلي ، كشف الغمّة ، ج 1 ، ص 321 .