تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
في سمرقند أشتات من مخلفات بابك الذي جمع أطراف الزندقة التي تناثرت في مذاهب الفرس السابقة : من المانوية ، والمزدكية ، والزرادشتية ، ودعوة أبي مسلم الخراساني ، ودعوة المقنع الذي نادى بإسقاط الفروض ، وإباحة الأموال والنساء ، وعلى أتباعه أن يسجدوا له لأنه الإله أيضا . وفي عصر المأمون والمعتصم انتشرت بدع المأمون ، وأراد إلزام الناس بها بقوة الدولة : من قول بخلق القرآن ، وحط من شأن الكثير من الصحابة ، وتحكيم العقل في النص وغير ذلك من أفكار المعتزلة . لكن أبا محمد الدارمي كان « على غاية العقل » وكان « يضرب به المثل في العلم » . لقد رأى أمواج الباطل تتلاطم ، وأعاصيره تطيح بالذين لا يحسنون اتقاءها : الباطل ثائر يرغي ويزيد ، ومنجله لرءوس من لا يؤيدونه يحصد ، وإمامنا لا حول له ولا قوة ، والدولة هي التي تفرض كل ذلك وترعاه ، لقد أطال الفكر في عواقب الأمور ، وأمعن النظر في تقليبها ، فخلد إلى الأناة والروية ، وجعل يستنطق الأحداث الحاضرة بضوء معرفته لسنن اللّه في الخلق . لقد أدرك أن الإسلام غريب في هذه المملكة التي توصف ب « الخلافة الإسلامية » كما أدرك أن هذه الأمة لا تصلح إلا بما صلح به أولها . وتيقن أن الحق معشوق الفطرة ، فمتى خطر في ربوعها ، عضت عليه بنواجذها ولذا بدأ بالدعوة إلى الحق الذي جاء به من لا ينطق عن الهوى . بدأ بالدعوة بالعودة إلى النبع الخالص الصافي الذي لم تعكره الدلاء . بدأ بالدعوة إلى منهج الذي خلق فسوى وقدر فهدى .