في سمرقند أشتات من مخلفات بابك الذي جمع أطراف الزندقة التي تناثرت في مذاهب الفرس السابقة : من المانوية ، والمزدكية ، والزرادشتية ، ودعوة أبي مسلم الخراساني ، ودعوة المقنع الذي نادى بإسقاط الفروض ، وإباحة الأموال والنساء ، وعلى أتباعه أن يسجدوا له لأنه الإله أيضا .
وفي عصر المأمون والمعتصم انتشرت بدع المأمون ، وأراد إلزام الناس بها بقوة الدولة : من قول بخلق القرآن ، وحط من شأن الكثير من الصحابة ، وتحكيم العقل في النص وغير ذلك من أفكار المعتزلة .
لكن أبا محمد الدارمي كان « على غاية العقل » وكان « يضرب به المثل في العلم » .
لقد رأى أمواج الباطل تتلاطم ، وأعاصيره تطيح بالذين لا يحسنون اتقاءها : الباطل ثائر يرغي ويزيد ، ومنجله لرءوس من لا يؤيدونه يحصد ، وإمامنا لا حول له ولا قوة ، والدولة هي التي تفرض كل ذلك وترعاه ،
لقد أطال الفكر في عواقب الأمور ، وأمعن النظر في تقليبها ، فخلد إلى الأناة والروية ، وجعل يستنطق الأحداث الحاضرة بضوء معرفته لسنن اللّه في الخلق .
لقد أدرك أن الإسلام غريب في هذه المملكة التي توصف ب « الخلافة الإسلامية » كما أدرك أن هذه الأمة لا تصلح إلا بما صلح به أولها .
وتيقن أن الحق معشوق الفطرة ، فمتى خطر في ربوعها ، عضت عليه بنواجذها ولذا بدأ بالدعوة إلى الحق الذي جاء به من لا ينطق عن الهوى .
بدأ بالدعوة بالعودة إلى النبع الخالص الصافي الذي لم تعكره الدلاء .
بدأ بالدعوة إلى منهج الذي خلق فسوى وقدر فهدى .
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 35
مساهمون: عبد الله بن الرحمن الدارمي
ص٣٥