إنه يدعوهم إلى هدى اللّه الذي قال :
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
[ طه : 123 - 124 ] .
إنه يدعوهم إلى عقيدة ربانية ينبثق منها نظام يؤمن لهم العيش بعدل وتعادل واعتدال مع خالقهم ، ومع أنفسهم ، ومع مجتمعهم ، عقيدة تعرفهم على اللّه ، تخوفهم من عذابه ، وتطمعهم بجنته ورحمته ، وهذا « ما يحصل به الإنذار والتخويف ، وهذا هو الفقه ، وليس الفقه تعريفات الطلاق ، والعتاق ، واللعان ، والسلم ، والإجارة ، فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف . بل التجرد له على الدوام يقسي القلب ، وينزع الخشية منه كما نشاهد الآن من المتجردين له » . [ إحياء علوم الدين : 1 / 32 ] .
لقد أعاد للدعوة صفاءها وجاذبيتها ، وللسنة احترامها ، فكثر العاملون بها ، فكان لإخلاصه - واللّه أعلم - مقبولا محبوبا ، لذلك دعاه السلطان إلى القضاء فأبى ، فألح عليه فقبل استحياء فيما يبدو ، وقلد قضاء سمرقند .
ولكنه - رحمه اللّه تعالى - رأى في البعد عن أبواب السلطان عزا وإكراما ، وفي دخولها ذلا وإرغاما ، فنفر من هذا المنصب ، واستعفى بعد أن قضى قضية واحدة ، وغادر حمى السلطان إلى غير رجعة .
وفي هذا أيضا الدلالة على أن الرجل لم يسبح ضد التيار العارم فيبتلعه الموج ، ويودي به كما أودى بالكثيرين غيره ، وإنما كان رجلا دمئا عرف كيف يتسلل بهدوء وروية إلى الأعماق التي انبثق منها الباطل فيقذفه بما يشل قدرته على الحياة ويقضي عليها في أرضه . لأنه يعلم علم اليقين أن السنة إذا رفعت رأسها ، احترق مسرح البدعة وهرب الممثلون .