وأخيرا نقف لنتساءل : ما موقف هذا الإمام من هذه التيارات المتصارعة بأنواعها ، وهل استطاع عنف التيارات الوافدة أن يجرفه كما جرف الكثير غيره ؟ . . .
في الإجابة على ذلك نقول : لقد أجمع من أرخوا لهذا الإمام على أنه جمع العلم ، وعلى أنه رحل من أجل ذلك ، كما أجمعوا على حفظه لما جمع والاتقان له رواية ودراية .
وما من شك في أن العلم إذا استقر في القلب ، وملأ جوانبه يقينا ، قاد صاحب هذا القلب إلى العمل ، لأن العمل ليس إلا إفرازا وتجسيدا لهذا العلم .
فالإمام الدارمي جمع خير ما يسعى لجمعه الناس : ميراث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، جمعه ليكون له معالم في الطريق إلى اللّه : يسدده ، يحفظه من الضلال ، يقوده إلى المحجة الواضحة إذا تشعبت طرق الناس .
لقد جمع ووعى كل ما طالته يده من العلم في حله وفي ترحاله ، وصان ما جمع فصانه العلم ورفع مكانه ، فجعله القدح المعلى ، والإنسان لا يقاد إلا من الداخل ، يقوده فكره ، وتسيره عقيدته ، فقاده علمه إلى العمل بما علم ، والعلم داع للعمل فإن أجاب ، وإلا ارتحل ، فعمل الدارمي - رحمه اللّه - حتى كان الترجمة العملية لما جمع من العلم .
ولا بد لما استقر في الوجدان ، وأخضع فخضعت له الأركان ، من الدعوة إليه باللسان ، فكان من أدخل السنة والعمل بها إلى سمرقند التي أصبحت قلعة حصينة للسنة ، ومنها سينطلق صرح جمع صحيح الأحاديث على يد الحافظ ابن حبان .
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 34
مساهمون: عبد الله بن الرحمن الدارمي
ص٣٤