وعندما تسلم المعتصم القائد الفذ ، الذي أسقط العرب من ديوان الجند ، وأدخل العنصر التركي ومكن له حتى استولى على مناطق النفوذ في دولة العباسيين ، وسيطر على الخلافة سيطرة تامة ، وأصبحت مفاتيح الحكم كاملة بأيدي أخوال المعتصم الذين استبدوا بالخلافة ، واستبدوا بالخلفاء :
يعينون من يريدون ، ويخلعون بل ويقتلون من يريدون ، وهكذا أصبح من كانت ترتجف الدنيا لغضبته :
خليفة في قفص * بين وصيف وبنا
يقول ما قالا له * كما تقول الببغا
ونوجز القول فنزعم أن الدولة العباسية كانت في قرنها الأول ( 132 - 232 ) ه قادرة على أن توازن بين رعاياها ، وعلى أن تظهر بمظهر الحامي للدين الذي قامت لرعايته ، مع ما صاحب خطوات الخلفاء من كبوات ، ومع ما ارتكبوا فيه من زلات :
فالمنصور والرشيد والمأمون كانوا من أبطال التاريخ قدرة على ضبط الأمور ، وسيطرة على الأحداث ، وأما المهدي ، والمعتصم فهما تابعان لمن سبقهما ولكن لم يدركا ما أدركوا ، وأما الذين جاءوا من بعدهم فكانوا طرازا آخر من الرجال : تراكمت الأخطاء فهب الجديد منها بعنف ، واستفحل القديم ، وانصرف الخلفاء عن القواعد التي قامت عليها دولتهم ، وأخلدوا إلى الجهل واللهو ، استهوتهم الشهوات ولكنهم محاطون بالرعب ، محاصرون بالقلق ؛ فهم من حماتهم مرعوبون ، ومن حاشيتهم وجلون ، ومن أهليهم خائفون .
لقد كثرت الفتن ، وانبثقت الثورات ، فأصبحت الخلافة كالجسم المجزوم تسّاقط أطرافه جزءا بعد جزء .