فلا بد إذا لمن يعيش في أحضان طبيعة هذه بعض أوصافها أن يتمتع بصفاء النفس ، ونفاذ البصيرة ، وعمق التفكير المحفوف بالهدوء والاتزان .
وأما الجو السياسي والاجتماعي الذي مرت به دولة الخلافة في هذه المدة فقد كان عجبا ، لقد انعكست على شاشة المجتمع ألوان من الصراعات ، وكل لون يعمق مجراه :
قامت الدولة العباسية على أكتاف عنصر غريب ، ومعلوم أن لكل عمل ثمنا ، فما الثمن الذي يسعى إليه أولئك الأغراب ؟ هل هو التقرب إلى الحاكم ، والاستمتاع بالجاه والسلطان ، وبما تقدمه يداه ، وما تقدمانه ليس بالقليل ؟
أم هو السعي للوصول إلى سدة الحكم ومنطقة التأثير لتحقيق هدف تعددت ألوان السعاية لتحقيقه ، وهو إقامة الدولة الفارسية ، ذات الأمجاد التاريخية ؟ . هذا الحلم الذي لفّته الأيام بغلالات وستائر يحاول الموتورون إزاحتها حتى يتألق فجر الأمل الغائب ، الأمل المنتظر ، الأمل العتيق العتيق .
لقد سعى السلال في غمرة الأحداث إلى الانحراف بمسيرة دولة بني العباس إلى أبناء علي ، فافتضح أمره ، فأجرى السفاح دمه وأذاقه الموت الزؤام .
وتراقصت أطياف المنى أمام أبي مسلم الخراساني الذي ظن أنه أصبح من ذاك الأمل قاب قوسين أو أدنى ، ولكن المنصور لم يكن عنه بالغافل :
راقبه ، ثم غاضبه ، ثم نبذ عهده وسفك دمه ، وهكذا فقد سقاه بالكأس التي طالما سقى فيها أبو مسلم الآخرين ، وبعد الانتهاء منه جعل المنصور يتصيد كل من يطالب بدمه .
ثم بدأت براعم الأمل تتفتح على أيدي البرامكة ، وتراقصت آمالهم
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 24
مساهمون: عبد الله بن الرحمن الدارمي
ص٢٤