تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
المخمورة وراء حجاب لم يستطع إخفاءها فأدى انكشاف هذه الأماني ، وزوال الأقنعة المبرقعة لكثير من وجوه الحاقدين ، إلى استئصال شأفتهم على يد الرشيد الذي أسعفته فطرة الورع ، والقرآن الذي يرتله ويتدبره ، وقيام الليل وصيام النهار ، ففتح اللّه قلبه كما فتح بصره على اضطراب الضمائر بين الطمع والحماقة في سعي الناس . ورزقه تعالى القدرة على ضبط حركة المتغيرات في المجتمع : فاستطاع أن يوازن بين أسباب القوة وأساليب العلم ، وبين الزهد والرفاهية ، وبين العرب والموالي ، وبين المسلمين وأهل الذمة ، فكان - بحكمته - ينسج من خيوط الاختلاف نسيج الائتلاف ، فيوازن بين هذه العناصر جميعها : يؤلف ما اختلف ، ويقرب ما تباعد ، ويهدىء ما ثار ، ويصل ما انقطع على أوسع رقعة عرفتها دولة الإسلام حتى تلك الأيام . فأيقن الفرس أن المد الذي توالى ارتفاعه بدأ بالانحسار ، فطووا ضلوعهم على حقد مرير وغضب ناقم يتفجر هذا وذاك بين الحين والحين انتفاضات مدمرة ، أو فتنا محلية ، أو بذر معتقدات دينية كلها زندقة من ديانات فارس ، حتى اعتلى الأمين منصب الخلافة ، وامتطى أمواج اللهو والعربدة والمجون ، فاهتبلوا هذه الفرصة وانقضوا على مركز الخلافة بغداد ، وقتلوا الخليفة الذي انحدر من أب عربي وأم عربية ، ونصبوا خليفة أمه فارسية ، وزوجوه من فارسية أيضا ، ونقلوا مركز الخلافة إلى ( مرو ) لتكون قريبة من عاصمتهم المنتظرة . لقد استلم المأمون زمام الحكم ، فشيد صرح العلم فسبق كل من سبقه ، وبزّ كل من لحقه من بني العباس ، ولكنه مكن للشعوبية ، ومال إلى المعتزلة وتبنى أفكارهم ، وأساء ونكل بالمحدثين ومن سلك سبيلهم . ولكنه كان الحامي للذمار ، المدافع الأبي عن الديار ، قمع كل تحرك ، ومات وهو على رأس جيش لقتال الروم .