ومن ناحية ثانية فإن اتساع رقعة البلاد الإسلامية أدى إلى نمو الثروات ، فمالت علية القوم إلى الترف والإسراف - والناس على دين ملوكهم - فتبع هؤلاء جمهور كبير من الأغنياء .
شيدت القصور ، وزخرفت بأرقى أنواع الزخارف ، وزينت بأثمن أنواع الزينات ، حتى ليظن أنها هبطت من جنة الخلد .
وماست فيها الجواري والسراري اللاتي أعددن - معنى ومغنى - لإدخال السرور إلى تلك القصور ، فكثرت مجالس الغناء التي أصبحت فتنة للعين وللأذن .
وللغناء الماجن سلطان على النفوس ، وقدرة فائقة على استلال عناصر الأخلاق منها ، وعلى قتل براعم الفضيلة فيها .
وصحب ذلك مجالس الشراب التي تبعث النشوة ، وتمهد سبيل المجون ، فيلذ السماع ويحلو الاجتماع ، ويطيب الاستمتاع ، وبعد هذا ترخى ستائر القصور على أعاجيب لا يرتاح إليها ضمير مسلم .
وإذا رفرفت أجنحة الغناء ، تعاظمت الأوهام ، وإذا طغت أمواج الخمر ، غرقت العقول وضلت الأحلام ، وفي ذلك موت الهمم وفناء الأمم .
* * * ولكن هناك ما هو أشد خطرا وأبلغ تأثيرا في حياة الفرد وفي محيط الجماعة ، لأن هذه وتلك لا تقوم إلا على العمل .
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 27
مساهمون: عبد الله بن الرحمن الدارمي
ص٢٧