تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
بني آدم ، ولم يكن يأتيهم الوحي ، وإنما كانوا يستعملون عقلهم وبصيرتهم ليسبروا غور كتاب اللّه وسنة رسوله . فكل ما تحقق عندهم من المباديء كانوا يستنبطون منه الفروع للقوانين والمعتقدات ، فاجتهادهم هذا يجوز أن يكون عونا لنا ونورا يسعى بين أيدينا ، ولكنه بذاته لم يكن ليتخذ أصلا ومصدرا . وإن الإنسان سواء اجتهد بمجرد رأيه ، أم بالاستفادة من كتاب من الكتب السماوية ، فإن اجتهاده لا يمكن أن يكون قانونا أبديا وقاعدة حتمية لازمة للدنيا ، لأن التعقل والعلم الإنساني يتقيدان أبدا بقيود الزمان ، وإن كان هناك من يحل عن ملامسات الزمان والمكان ، فهو إله العلم وحده » . لقد غرب عن أذهان أولئك الذين زهدوا بالأدلة وهجروها أن الكتاب والسنة هما الأساس الذي يزود الحكم المنبثق عنه بنسغ الحياة فلا يذبل ، وبقوة الدفع إلى الالتزام فلا يضعف . إن فقه الكتاب والسنة هو الذي يجعل الإنسان بين الرغبة بما عند اللّه ، وبين الرهبة مما عند اللّه تعالى كأنه إبرة بين قطبي مغناطيس تساوت قوتهما ، يعيش متزنا بين الخوف والرجاء : لا الخوف يلغيه ، ولا الرجاء يطغيه . ولنتوقف الآن لنتعرف على واحد من أوائل فقهاء المحدثين - إن لم يكن أولهم - الذين فقهوا الكتاب والسنة ، وجعلوا الوحي - كتابا وسنة - القاعدة التي تنبثق منها الأحكام الشرعية . ولكي تتعرف على الدارمي لا بد من إلمامة سريعة بالعصر الذي عاشه ، ثم نحاول التعرف على مكوناته النفسية والفكرية وأثره وتأثره بعصره ، سائلين اللّه تعالى أن ييسر لنا ويهدينا إلى ما فيه الهدى والرشاد .