الشك إليها ، فكأنها الشريعة المنزلة التي لا يأتيها الباطل ولا يتسرب إليها القصور ، فلا يجوز لأحد أن يخالفها أو أن يعيد النظر فيها حتى ولو كان فيها ما يخالف صحاح الأحاديث أو عموم آيات من كتاب اللّه تعالى ، فكأنهم يرون أن أئمتهم معصومون ، فحكموا الرجال على الشريعة ، ولم يحكموا الشريعة على الرجال .
يقول المودودي - عليه رحمة اللّه - : « القرآن والسنة هما المنبع الذي يستنبط منه جميع البشر في كل زمان ومكان علوما وأفكارا ، وقوانين بحسب أحوالهم المخصوصة ، وبمراعاة حاجاتهم وضروراتهم ، وما دام العلماء المسلمون يستمدون العلم من هذا المأخذ ، ويحلون المسائل العلمية والعملية باجتهادهم المستند إلى التفكير الصحيح ، فإن الإسلام سيظل يساير الزمن ، ولكنهم تركوا التدبر في القرآن ، والتفحص في الأحاديث ، وراحوا يقلدون السلف من المفسرين والمحدثين تقليدا أعمى ، واتخذوا اجتهاد الفقهاء والمتكلمين الماضين قانونا أبديا لا يغير ولا يعدل ، وجعلوا الفروع التي استنبطها السلف هي الأصل مكان أصول الكتاب والسنة .
ولما حدث هذا كله توقف سير الإسلام بغتة ، وجعلت قدمه تتراجع إلى الوراء بدل أن تخطو إلى الأمام ، وغدا حملته وورثته ينغمسون في شرح وتفسير المسائل القديمة بدل أن يهدوا العالم في ميادين العلم » .
فالقرآن الكريم فيه بيان كل شيء ، بذلك وصفه رب العزة والجلال ، فهو لم يدع ناحية من نواحي الحياة إلا ذكرها ، ولم يترك أملا من آمال الإنسانية إلا حققه ، ولكن هذا التحقيق مرتبط بجهد البشر الذين عليهم أن يحققوا مبادئه ، وأن يطبقوا أحكامه ، وأن يعيشوا نظامه : نظامه الكامل
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 20
مساهمون: عبد الله بن الرحمن الدارمي
ص٢٠