والأولى ترك البحث مع هؤلاء الذين إذا عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه ، قال : لعل إمامي وقف على دليل لم أقف عليه ، ولم أهتد إليه ؟
ولا يعلم المسكين أن هذا مقابل بمثله ، ويفضل لخصمه ما ذكره من الدليل الواضح ، والبرهان اللائح ، فسبحان اللّه ما أكثر من أعمى التقليد بصره حتى حمله على مثل ما ذكرته .
وفقنا اللّه تعالى لاتباع الحق أينما كان ، وعلى لسان من ظهر . وأين هذا من مناظرة السلف ومشاورتهم في الأحكام ، ومسارعتهم إلى اتباع الحق إذا ظهر من لسان الخصم » .
نقول : مما لا ريب فيه أن عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم هو عصر التشريع الصافي ، عصر الوحي بقسميه : الوحي المتلو المتعبد بتلاوته ، وهو القرآن الكريم ، والوحي غير المتلو وغير المتعبد بتلاوته وهو السنة الشريفة ، فقد أكمل اللّه تعالى الدين ، ورضي لنا الإسلام دينا ، وبدأ الوحي ، العلم الأصيل الصافي ينساب في مجرى الزمن عبر محطات من العقول والبيئات ، والتقاليد والفلسفات ، والأهواء والعادات ، وكلها تحاول جاهدة أن تجعل من هذا الوحي الرباني غلالة ترتديها توهم أن ما وراء هذه الغلالة هو الدين ، وليست بالدين .
لقد طرأت على المسلمين عدة عوامل سياسية وعقلية وخلقية واجتماعية أثرت في كل مظهر من مظاهر نهوضهم ، وأحالت نشاطهم التشريعي إلى فتور ، ووقفت حركة الاجتهاد والتقنين ، وأماتت في العلماء روح الاستقلال الفكري فلم يردوا المعين الذي لا ينضب ماؤه ، وهو القرآن والسنة ، بل راضوا أنفسهم على التقليد ، ورضوا أن يكونوا عالة على فقه الأئمة السابقين :
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 15
مساهمون: عبد الله بن الرحمن الدارمي
ص١٥