تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال ، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة ، واستيلاء الخوف على القلب ، ويدلك عليه قوله عز وجل :
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ
[ التوبة : 122 ] وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه ، دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة ، فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف ، بل التجرد له على الدوام يقسّي القلب ، وينزع الخشية منه كما نشاهد الآن من المتجردين له . وقال تعالى :
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها
[ الأعراف : 179 ] وأراد به معاني الإيمان دون الفتاوى ، ولعمري إن الفقه والفهم في اللغة اسمان بمعنى واحد ، وإنما يتكلم في عادة الاستعمال به قديما وحديثا . قال تعالى :
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
[ الحشر : 13 ] فأحال قلة خوفهم من اللّه ، واستعظامهم سطوة الخلق على قلة الفقه ، فانظر إن كان ذلك نتيجة عدم الحفظ لتفريعات الفتاوى ، أو هو نتيجة عدم ما ذكرناه من العلوم ؟ . . . . ولست أقول : إن اسم الفقه لم يكن متناولا للفتاوى في الأحكام الظاهرة ، ولكن كان بطريق العموم والشمول ، أو بطريق الاستتباع ، فكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر . فبات من هذا التخصيص تلبيس بعث الناس على التجرد له والإعراض عن علم الآخرة وأحكام القلوب ، ووجدوا على ذلك معينا من الطبع ، فإن علم الباطن غامض والعمل به عسير ، والتوصل به إلى طلب الولاية والقضاء والجاه والمال متعذر ، فوجد الشيطان مجالا لتحسين ذلك في القلوب بواسطة تخصيص اسم الفقه الذي هو اسم محمود في الشرع » .
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 13 | عبد الله بن الرحمن الدارمي / حسين سليم أسد الدّاراني