أن تكون الرمّانة على شجرتها أو في الأطباق تأويلا لمن تلّفظ بالرمّانة أو كتبها على الأوراق ، وإنّما هي مصاديق لتلك المفاهيم . وكذلك النار والنور ، والظلّ والحرور ، لها مفاهيم ذهنيّة ، ولها مصاديق عينيّة . نعم كانت المفاهيم ذات مصاديق هي مردّها في عرصة الوجود ، أي تؤول إليها ، وهذا يعني : الإشارة إليها ، إذ كلّ اسم هو رمز عن المسمّى وإشارة إليه ، وهو معنى لغويّ بحت للتأويل ، بمعنى إرجاع الشيء إلى أصله وذاته .
على أنّ التأويل - بهذا المعنى اللغوي أيضا - عمليّة ذهنيّة ، وفعل للنفس ، وليس ذات العين الخارجيّة المحضة ، حسبما وهمه ابن تيميّة .
وهل كان قوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
« 1 » هل كان أهل الزيغ يتطلّبون أعيان المصاديق أم كانوا يحاولون التحريف في تفسير المتشابهات ؟ !
وهل كان الراسخون في العلم « 2 » يعرفون أشخاص أعيان المصاديق أم كانوا على استعداد تامّ لمعرفة الصحيح من تفسير الآيات ؟ !
فالمسألة مسألة تفسير وتبيين ، وتعميق نظر ، ومحاولة لدفع الشبهات العارضة لوجه الآيات . وأين ذا من التكلّف للعثور على ذوات الأعيان في عرصات الوجود ؟ !
وقد أشاد السيد محمد رشيد رضا ( منشئ مجلّة المنار المصريّة ) من هذه النظرة التيميّة بشأن التأويل ، وأعجبته غاية الإعجاب ! إنّه - بعد أن نقل عن شيخه الأستاذ محمّد عبده أنّ التأويل هو بمعنى ما يؤول إليه الشيء وينطبق عليه ، لا بمعنى ما
هامش
( 1 ) . آل عمران 3 : 7 .
( 2 ) . كان من مذهب ابن تيمية - كالمجاهد - : أنّ الوقف على « الراسخين في العلم » لأنّهم يعلمون التأويل . الإكليل :
15 . وراجع رسالته في تفسير سورة الإخلاص : 93 ، وتفسير المنار 3 : 172 .