تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
وكذلك الإنسان قد يعرف الحجّ والمشاعر ؛ كالبيت والمساجد ومنى وعرفات والمزدلفة ، ويفهم معنى ذلك ، ولا يعرف الأمكنة حتّى يشاهدها ، فيعرف أنّ الكعبة المشاهدة هي المذكورة في قوله :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
، وكذلك أرض عرفات هي المذكورة في قوله :
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ
، وكذلك المشعر الحرام - المزدلفة - هي المذكورة في قوله :
فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
« 1 » . قال : « فللتأويل معنيان : أحدهما : تفسير الكلام ، وبيان معناه كما تعارف عند السلف ، واعتاده محمد بن جرير الطبري ، فيعبّر بالتأويل يريد به التفسير . والمعنى الثاني للتأويل : هو نفس المراد بالكلام ، فإنّ الكلام إن كان طلبا كان تأويله نفس الفعل المطلوب ، وإن كان خبرا كان تأويل نفس الشيء المخبر به . وبين هذا المعنى والذي قبله بون ، فإنّ الذي قبله يكون التأويل فيه من باب العلم والكلام ، كالتفسير والشرح والإيضاح ، ويكون وجود التأويل في القلب واللسان ، له الوجود الذهني واللفظي والرسمي . وأمّا المعنى الثاني فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج ، سواء كانت ماضية أو مستقبلة . فإذا قيل : طلعت الشمس ، فتأويل هذا نفس طلوعها » « 2 » . وخلاصة الكلام : أنّ العلم بمفاهيم الكلام الذهنيّة علم بتفسيرها ؛ لتكون مشاهدة مصاديق تلك المفاهيم بأعيانها الخارجية علما بتأويلها . هذا ما فرضه أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة الحرّاني ( المتوفّى سنة 728 ه ) بشأن التأويل حسب مصطلحه الخاصّ . ومن ثمّ فقد أغرب في مصطلحه ، حيث جعل المصداق تأويلا للكلام ؛ إذ لم يعهد
هامش
( 1 ) . تفسير سورة الاخلاص : 103 . ( 2 ) . رسالة الإكليل : 18 المطبوعة ضمن المجموعة الثانية من رسائله .